Economy

الصين تعبئ أسواقها المالية لمنافسة الذكاء الاصطناعي الأميركي

تأتي الخطوة في وقت تتزايد فيه الضغوط على شركات التكنولوجيا الأميركية والصينية لإثبات قدرة الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد.

تتجه الصين إلى استخدام القوة الهائلة لأسواق رأس المال المحلية، التي تقدر قيمتها بنحو 28 تريليون دولار، لتمويل سباقها في مجال الذكاء الاصطناعي ومواجهة التفوق التكنولوجي الأميركي، في تحول يعكس اعتماد بكين المتزايد على التمويل الخاص بدلاً من الاقتصار على الدعم الحكومي.

وتأتي هذه الاستراتيجية في وقت تواجه فيه شركات التكنولوجيا الكبرى حول العالم ضغوطاً متزايدة لإثبات أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي سيولد عوائد كافية تبرر حجم الاستثمارات، بعدما أثارت خطط الإنفاق المتسارعة قلق المستثمرين في شأن التدفقات النقدية والديون.

وتبرز شركة “تينسنت القابضة”، المالكة لمنصة “وي تشات”، باعتبارها واحدة من أبرز الشركات الصينية التي تواجه اختباراً مهماً في هذا المجال، إذ جمعت الشركة أخيراً نحو 4.7 مليار دولار من خلال بيع سندات طويلة الأجل بالدولار واليوان، في أكبر طرح سندات لها منذ عام 2020، بهدف تمويل تطوير منتجات وخدمات الذكاء الاصطناعي.

وتعكس الخطوة تحولاً مهماً في طريقة تمويل قطاع التكنولوجيا الصيني، إذ تحاول الشركات الاستفادة بصورة أكبر من أسواق رأس المال لتمويل التوسع في الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاعتماد المباشر على المنح الحكومية أو التمويل المرتبط بالدولة.

لكن هذه الاستراتيجية تأتي في وقت يتزايد فيه تدقيق المستثمرين في الإنفاق المرتفع على الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعد الهزة التي تعرضت لها أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى.

وفي الشهر الماضي فقدت شركات التكنولوجيا السبع الكبرى في الولايات المتحدة نحو 797 مليار دولار من قيمتها السوقية في يوم واحد بعدما رفعت شركة “ألفابت”، الشركة الأم لـ”غوغل”، توقعاتها للإنفاق الرأسمالي في الوقت الذي تحولت فيه تدفقاتها النقدية إلى السلبية للمرة الأولى منذ إدراجها في الأسواق.

وتثير هذه التطورات تساؤلات حول قدرة شركات التكنولوجيا على مواصلة الإنفاق بالمعدلات الحالية، وما إذا كان الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي سيظل قوياً بما يكفي لتغطية كلفة بناء مراكز البيانات وتطوير الرقائق والبرمجيات.

الصين تواجه المشكلة نفسها

لا تبدو الشركات الصينية بمنأى عن هذه المخاوف، إذ تتوقع تحليلات “بلومبيرغ إنتليجنس” استمرار الضغوط على تقديرات أرباح قطاع التكنولوجيا الصيني خلال النصف الثاني من العام، بسبب حروب الأسعار وفائض المعروض في عدد من المجالات، من بينها الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، ترى المؤسسة البحثية أن الفجوة في أداء تقنيات الذكاء الاصطناعي بين الصين والولايات المتحدة تضيق، وهو ما يمنح الشركات الصينية حافزاً إضافياً لمواصلة الإنفاق على تطوير هذه التقنيات والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن بكين لا تريد أن تظل قدرتها على المنافسة التكنولوجية مرتبطة فقط بالدعم المالي الحكومي، بل تسعى إلى تحويل قطاع التكنولوجيا إلى مستفيد رئيس من أسواق رأس المال المحلية الضخمة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل القيود الأميركية المفروضة على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين، والتي دفعت الشركات الصينية إلى الاستثمار بصورة أكبر في تطوير البنية التحتية المحلية للذكاء الاصطناعي.

“تينسنت” تحت المجهر

وستكون نتائج “تينسنت” المنتظرة من أبرز الاختبارات لقدرة الشركات الصينية على تحقيق عوائد من موجة الإنفاق الجديدة.

ومن المتوقع أن يتراجع نمو أرباح الشركة إلى أدنى مستوى له منذ عام 2023، وفق “بلومبيرغ إنتليجنس”، نتيجة ارتفاع كلفة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الكلفة المرتبطة بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على تنفيذ مهام متعددة بصورة مستقلة.

ويترقب المستثمرون تفاصيل خطة الشركة لتطوير وكيل ذكاء اصطناعي جديد لمنصة “وي تشات”، إحدى أكثر المنصات الرقمية انتشاراً في الصين.

ومن غير المتوقع أن تحقق “تينسنت” إيرادات خارجية كبيرة من منتجات الذكاء الاصطناعي خلال العام الحالي، وهو ما يعني أن المستثمرين قد يضطرون إلى الانتظار لفترة أطول قبل رؤية العوائد التجارية المباشرة للاستثمارات الجديدة.

ويضع ذلك الشركة أمام معادلة صعبة: مواصلة الإنفاق للحفاظ على قدرتها التنافسية في مجال سريع التطور، مع تجنب الضغط المفرط على الأرباح والتدفقات النقدية.

العتاد والبنية التحتية في قلب السباق

في الوقت نفسه، تظهر مؤشرات أكثر إيجابية في قطاع الأجهزة والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تستفيد شركة “فوكسكون الصناعية للإنترنت” من الطلب القوي على خوادم الذكاء الاصطناعي المستخدمة لدى مزودي الخدمات السحابية.

وتشير تقديرات “مصرف سيتي” إلى أن أرباح الشركة في النصف الأول من العام قد تكون ارتفعت بما يراوح ما بين 93 و101 في المئة، مدفوعة بزيادة إيرادات خوادم الذكاء الاصطناعي.

ويرتبط جزء من هذا النمو بالجيل الجديد من منصات شركة “إنفيديا”، مما يعكس استمرار الطلب العالمي على مراكز البيانات والخوادم القادرة على تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

واستفادت شركة “هون هاي” للصناعات الدقيقة من قوة الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الاستهلاكية خلال الربع الثاني.

وتشير بيانات المبيعات الشهرية إلى استمرار قوة الطلب العالمي على البنية التحتية اللازمة لتطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، على رغم احتمال تعرض هوامش الأرباح لبعض الضغوط نتيجة ارتفاع كلفة خوادم الذكاء الاصطناعي.

“لينوفو” تراهن على الخوادم

وتعد شركة “لينوفو” من أبرز المستفيدين الآخرين من هذه الموجة، إذ من المتوقع أن يظل قطاع حلول البنية التحتية، الذي يضم أعمال خوادم الذكاء الاصطناعي، المحرك الرئيس لنمو الشركة.

وتشير التقديرات إلى أن الطلب القوي على خوادم الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وجود طلبات مستقبلية بقيمة نحو 21 مليار دولار، سيدعمان أداء هذا القطاع.

ومن المتوقع أن تسجل مبيعات المجموعة نمواً من خانتين للربع التاسع على التوالي، فيما قد ترتفع الأرباح بنحو 64 في المئة خلال الربع المالي الأول.

ويمكن أن تستفيد الشركة من رفع الأسعار وتحسن مزيج المنتجات، في ظل ارتفاع الطلب على حلول الحوسبة والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

الصين تحاول بناء منظومة متكاملة

لا تقتصر استراتيجية الصين على شركة واحدة أو قطاع محدد، بل تبدو جزءاً من محاولة أوسع لبناء منظومة تكنولوجية متكاملة قادرة على منافسة الولايات المتحدة.

وتجمع هذه المنظومة بين شركات الإنترنت العملاقة، ومصنعي الخوادم والأجهزة، وشركات الرقائق، ومراكز البيانات، إلى جانب قطاع مالي محلي قادر على توفير التمويل اللازم.

ويمثل ذلك تحولاً عن النموذج الصيني التقليدي الذي اعتمد بدرجة كبيرة على توجيه البنوك الحكومية والتمويل العام لدعم القطاعات التي تعتبرها بكين استراتيجية.

وفي النموذج الجديد، يمكن لأسواق الأسهم والسندات أن تؤدي دوراً أكبر في توزيع رأس المال على الشركات التي ترى الأسواق أن لديها فرصاً حقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي.

Leave a Reply