
من تسوية الديون في عام 2025، مروراً بالمنح المتتابعة خلال عام 2026، وصولاً إلى تقييم صندوق النقد الدولي ومنحة البنك الدولي الأخيرة، تتوالى المؤشرات على دخول سوريا مرحلة اقتصادية جديدة عنوانها الثقة، وتنفيذ الإصلاحات، والتعافي، وتعزيز الاندماج في النظام المالي العالمي، إيذاناً بتحول اقتصادي واسع.
وتحمل المنح الدولية المتتابعة لسوريا، وأحدثها منحة بقيمة 100 مليون دولار أعلن عنها البنك الدولي في السابع من آب الجاري، دلالات تتجاوز قيمتها المالية، إذ تعكس تنامي الثقة بمسار الإصلاحات الحكومية، والانتقال التدريجي من التعهدات إلى التنفيذ، بما يمهد لمرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي والانفتاح المالي.
رسالة محورية: ثقة مالية دولية
تشكل منحة البنك الدولي الأخيرة، المخصصة لدعم تحديث القطاع المالي السوري، نقطة تحوّل محورية في مسار العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية.
فقد أكد البنك الدولي، في بيان صدر الجمعة الماضي، أن المشروع سيدعم الاستثمارات الهادفة إلى جعل المعاملات المالية أكثر أماناً وسرعة وشفافية، لافتاً إلى أن تحديث البنية التحتية المالية يمثل شرطاً أساسياً لإعادة ربط سوريا بالقنوات المالية الدولية اللازمة للتجارة والاستثمار.
ويعكس ذلك تغير نظرة المؤسسات الدولية إلى القطاع المالي السوري بشكل جذري، بوصفه قطاعاً قابلاً للتحديث والاندماج، لا قطاعاً معزولاً أو محدود القدرة، ولاسيما في ظل العقوبات التي كانت مفروضة قبل التحرير.
وجاء ما أكده حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان ليعزز هذا التحول، إذ قال في تدوينة عبر منصة «إكس» إن المنحة «تمثل محطة مهمة في مسار تطوير البنية المالية والمصرفية، وخطوة أساسية نحو بناء قطاع مالي حديث يواكب أفضل المعايير الدولية».
ويأتي هذا التطور تتويجاً لمسار مكثف من الإجراءات والإصلاحات التي عملت الحكومة السورية على تنفيذها منذ التحرير بهدف إعادة بناء الثقة بالاقتصاد والقطاع المالي.
رسالة مباشرة: حصاد نجاح الإصلاحات الحكومية
وقبل أيام من الإعلان عن منحة الـ100 مليون دولار، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية في الثاني من آب الجاري أن البنك الدولي أقر بنجاح إصلاحات سوريا لعام 2026، موضحاً أن الالتزام بإجراءات استدامة الدين والشفافية سيُترجم عملياً إلى زيادة مخصصات المنح لعام 2027.
ويؤكد هذا التصريح أن الإصلاحات الحكومية، بما شملته من تحديث التشريعات المصرفية، وتعزيز أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإعادة هيكلة السياسة المالية والنقدية، بما في ذلك طرح الليرة السورية الجديدة عبر حذف الأصفار، تجاوزت حدود التطبيق المحلي، لتصبح مرجعاً دولياً في تقييم قدرة سوريا على استقطاب المزيد من المنح.
وأوضح برنية أن المنحة الجديدة ستسهم في تعزيز قدرات مصرف سوريا المركزي وتطوير البنية التحتية المالية، مشيراً إلى أن إجمالي المنح المعتمدة بلغ 491 مليون دولار، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين سوريا والبنك الدولي.
رسالة فاصلة: من الوعود إلى التنفيذ
بدأت علاقة سوريا بالمؤسسات المالية الدولية تشهد تحولاً تدريجياً عقب زوال النظام البائد ومن ثم التحرير في الثامن من كانون الأول عام 2024، منتقلةً من مرحلة الوعود إلى التنفيذ الفعلي بالتوازي مع الإجراءات الاقتصادية والمالية التي اتخذتها الحكومة لإعادة بناء الثقة وتهيئة البيئة اللازمة لاستئناف التمويل التنموي.
وتوسعت منح البنك الدولي وفق تسلسل واضح ومتدرج يعكس تطور الثقة الدولية بسوريا، وتوزعت على قطاعات حيوية كالآتي:
في حزيران عام 2025، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 146 مليون دولار لتحسين إمدادات الكهرباء ودعم التعافي الاقتصادي في سوريا.
وتواصل التمويل خلال عام 2026، إذ وافق البنك في آذار على منحة بقيمة 20 مليون دولار لدعم الحوكمة المالية، ثم أعلن في نيسان عن منح بقيمة إجمالية بلغت 225 مليون دولار، توزعت بواقع 150 مليون دولار لمشروع قطاع المياه وصيانة الشبكات، و75 مليون دولار لقطاع الصحة والرعاية الأولية.
وفي السابع من آب الجاري، جاءت المنحة الأحدث بقيمة 100 مليون دولار لدعم القطاع المالي، ليصل إجمالي المنح المعتمدة إلى 491 مليون دولار.
ويظهر هذا التسلسل اتساع نطاق التمويل من مشاريع محددة إلى قطاعات حيوية متعددة، بما يشمل الكهرباء والمياه والصحة والحوكمة والقطاع المالي، كما يعكس انتقال سوريا إلى مرحلة التعافي المستدام، ويؤكد أن المؤسسات الدولية باتت ترى في سوريا دولة قادرة على إدارة التمويل التنموي بكفاءة وشفافية.
رسالة دولية: دعم مسار الاندماج العالمي
وتزامنت المنح الدولية مع تقييم صندوق النقد الدولي الصادر في الرابع من آب الجاري بشأن استمرار زخم تعافي الاقتصاد السوري، ما أضاف مؤشراً آخر إلى مسار استعادة الثقة الدولية.
وأشار الصندوق إلى استمرار تعافي الاقتصاد السوري، مع توقعات بنمو يتجاوز 10 بالمئة، لافتاً إلى دور الإصلاحات المصرفية والمالية في تعزيز الاستقرار وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار.
وبذلك، تتكامل المنح التنموية مع تقييمات المؤسسات المالية الدولية لتقدّم صورة واضحة عن أن الثقة بسوريا لم تعد مجرد إشارات سياسية، بل أصبحت مؤشرات مالية واقتصادية موثّقة وواقعية تعكس نجاح الإصلاحات الحكومية وقدرتها على إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي.
رسالة دعم من الدول الشقيقة
وكان للدعم الذي قدمته دول شقيقة، وفي مقدمتها السعودية وقطر، دور محوري في تهيئة الظروف لعودة سوريا إلى الاستفادة من التمويل الدولي.
ففي أيار عام 2025 سددت السعودية وقطر مديونية سوريا المتعثرة لدى المؤسسة الدولية للتنمية، والبالغة 15.5 مليون دولار، ما أتاح معالجة أحد العوائق أمام استئناف استفادة سوريا من تمويل البنك الدولي.
هذه الخطوة لم تكن مالية فحسب، بل كانت سياسية بامتياز، إذ أعادت فتح بوابة التمويل الدولي أمام سوريا، وسهّلت عودتها إلى المؤسسات الدولية، ومهّدت لجذب الاستثمارات والمساعدات الدولية.
وأعربت سوريا آنذاك عن شكرها وتقديرها لهذه المبادرة الأخوية، مؤكدة أنها تعكس الحرص على دعم الشعب السوري وتخفيف الأعباء الاقتصادية عنه، وتفتح المجال أمام تفعيل التعاون مع المؤسسات الدولية بما يخدم مسار التعافي وإعادة الإعمار.
رسالة اندماج: دخول سوريا مرحلة الانفتاح المالي
ومع تراكم هذه التطورات خلال الفترة التي أعقبت التحرير، واستئناف التعامل بنظام سويفت، تتعزز فرص إعادة ربط الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي وتوسيع قدرته على استقطاب التمويل والاستثمارات وقيادة عملية التعافي الشامل.



