Health

الفتيات يبلغن أبكر… والغذاء ليس المتهم الوحيد

الأنظمة الغذائية غير الصحية وزيادة الوزن قد ترتبط بتقديم موعد البلوغ لدى بعض الفتيات (غيتي)

تشير دراسات حديثة إلى أن الأنظمة الغذائية غير الصحية وزيادة الوزن قد ترتبط بتقديم موعد البلوغ لدى بعض الفتيات، بينما يؤكد المختصون أن المشكلة لا تكمن في غذاء واحد، بل في نمط الحياة كاملاً، محذرين من الآثار الصحية والنفسية للبلوغ المبكر وأهمية التوعية بالتغذية السليمة والنشاط البدني منذ الصغر.

لم تعد ملاحظة تغيرات جسدية مبكرة لدى طفلة في السابعة أو الثامنة أمراً يمر بهدوء داخل الأسرة، إذ غالباً ما تفتح باباً واسعاً للقلق والأسئلة: هل تسبب الدجاج أو الحليب في ذلك؟ هل تناولت الطفلة أطعمة تحوي على هرمونات؟ وهل كان من الممكن تأخير البلوغ بتغيير نظامها الغذائي؟

وتتزايد هذه المخاوف مع رصد اتجاه عالمي نحو انخفاض سن البلوغ وبدء الدورة الشهرية لدى الفتيات. إلا أن الدراسات الحديثة لا تحمّل صنفاً غذائياً واحداً المسؤولية، بل تشير إلى أن جودة النظام الغذائي ككل قد تؤثر في توقيت البلوغ، إلى جانب زيادة الوزن والعوامل الوراثية والبيئية.

وأظهرت أبحاث نشرت عام 2025 في مجلة (Human Reproduction) أن الفتيات اللاتي اتبعن نظاماً غذائياً غنياً بالخضراوات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة كن أقل عرضة لبدء الدورة الشهرية في سن مبكرة، في حين ارتفع الاحتمال لدى من اعتمدن على أنظمة غذائية غنية بالأطعمة المصنعة والمشروبات السكرية.

وأشارت دراسة نشرت عام 2024 في مجلة (Nutrition Journal) إلى أن النمط الغذائي الغني بالخضراوات والبروتين ارتبط بانخفاض احتمال البلوغ المبكر، بينما ارتبط النظام الغني باللحوم الحمراء والأطعمة مرتفعة السعرات بزيادة هذا الاحتمال.

لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج ترصد وجود ارتباط بين النمط الغذائي وتوقيت البلوغ، ولا تثبت أن طعاماً بعينه يمثل سبباً مباشراً للبلوغ المبكر.

ليست الوجبة… بل نمط الحياة

توضح متخصصة التغذية العلاجية رند بدوي أن الأنماط الغذائية الأكثر ارتباطاً بتبكير موعد البلوغ هي التي تعتمد بصورة متكررة على الأطعمة فائقة المعالجة والوجبات السريعة والمشروبات الغنية بالسكريات والدهون، إضافة إلى العادات المصاحبة لها، مثل قلة الحركة والخمول البدني.

وتقول إن المشكلة لا تكمن في تناول البرغر أو الدجاج أو المثلجات بين حين وآخر، وإنما في الاعتماد عليها بصورة شبه يومية، إذ قد يسهم هذا النمط الغذائي في زيادة الدهون، خصوصاً حول منطقة الخصر، مما قد يؤثر في التوازن الهرموني داخل الجسم.

وتشير بدوي إلى أن ارتفاع نسبة الدهون قد ينعكس على الهرمونات المنظمة للبلوغ والدورة الشهرية، فيرتبط لدى بعض الفتيات بتبكير البلوغ، بينما قد يؤدي لدى أخريات إلى اضطراب الدورة الشهرية أو تأخرها أو حتى انقطاعها، وفق الحالة الصحية لكل فتاة.

وتضيف أن كثيراً من الأهالي يربطون البلوغ المبكر بالدجاج أو الحليب أو غيرهما من الأطعمة، بينما تكمن الأهمية الأكبر في طريقة إعداد الطعام ونمط استهلاكه.

فإعداد البرغر أو الدجاج منزلياً بمكونات صحية يختلف من الناحية الغذائية عن الوجبات السريعة الجاهزة الغنية بالدهون المشبعة والسكريات والصوديوم، مؤكدة عدم وجود أدلة علمية تثبت أن هذه الأطعمة، في حد ذاتها، تسبب البلوغ المبكر.

آثار تتجاوز البلوغ المبكر

ولا تقتصر آثار البلوغ المبكر على التغيرات الجسدية، إذ قد يؤدي إلى نضج العظام وانغلاق صفائح النمو في وقت أبكر، مما قد يؤثر في الطول النهائي للفتاة. وتشير دراسات أيضاً إلى ارتباطه بزيادة احتمالات السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي مستقبلاً، فضلاً عن آثار نفسية محتملة، مثل انخفاض الثقة بالنفس والشعور بالاختلاف عن الأقران والتعرض للتنمر.

وترى بدوي أن مرحلة البلوغ تمثل فرصة مهمة لتعزيز الوعي الصحي، داعية إلى إطلاق برامج تثقيفية داخل المدارس بإشراف مختصين، تشرح أهمية التغذية المتوازنة والنشاط البدني، وتحذر من أخطار تراكم الدهون حول الخصر وما قد يرتبط به من مشكلات صحية، مثل مقاومة الأنسولين ومتلازمة تكيس المبايض، وهي من الاضطرابات الهرمونية الشائعة بين الفتيات والنساء.

وفي المقابل، يحذر المختصون من تحميل صنف غذائي واحد مسؤولية البلوغ المبكر أو حرمان الأطفال من أطعمة أساسية مثل الحليب أو الدجاج. فالأدلة العلمية المتاحة حتى الآن تشير إلى أن الخطر يرتبط بالنمط الغذائي غير المتوازن وزيادة الوزن وعوامل صحية وبيئية عدة، وليس بوجبة واحدة أو طعام بعينه.

ومن ثم، يبقى تبني نمط حياة صحي يجمع بين الغذاء المتوازن والنشاط البدني والنوم الكافي، إلى جانب مراجعة الطبيب عند ظهور علامات البلوغ في سن مبكرة، من أهم الخطوات للحفاظ على صحة الأطفال والحد من المضاعفات المحتملة.

ماذا تقول الدراسات؟

وتدعم هذا الاتجاه دراسات طولية ومراجعات منهجية حديثة. فقد خلصت مراجعة علمية نشرت عام 2025 في دورية (Obesity Reviews) إلى أن زيادة الوزن والسمنة ترتبطان بتغيرات في توقيت البلوغ لدى الأطفال.

وأظهرت دراسة نشرت عام 2021 في دورية (The Journal of Clinical Endocrinology & Metabolism)  أن نمو الثدي بدأ لدى الفتيات ذوات الوزن الزائد قبل قريناتهن بنحو تسعة أشهر ونصف، فيما تجاوز الفارق 15 شهراً لدى المصابات بالسمنة.

ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن السمنة لا تمثل العامل الوحيد، إذ تتداخل عوامل أخرى، من بينها الوراثة والنشاط البدني والنوم والتعرض لبعض المواد الكيماوية المعطلة لعمل الغدد الصماء، في تحديد توقيت البلوغ.

أما محلياً، فأظهرت دراسة سعودية نشرت عام 2015 في “المجلة الطبية السعودية” أن الفتيات السعوديات بدأن الدورة الشهرية في سن أصغر مقارنة بأمهاتهن، في مؤشر إلى استمرار انخفاض سن البلوغ بين الأجيال، بما ينسجم مع الاتجاه المسجل عالمياً.

البلوغ عبر الأجيال

تشير المقارنات الممتدة على مدى العقود الخمسة الماضية إلى أن البلوغ أصبح يبدأ في سن أبكر، وإن اختلف حجم التغير بين الفتيات والأولاد. ففي دراسة أميركية حديثة شملت أكثر من 71 ألف مشاركة، انخفض متوسط عمر بدء الدورة الشهرية من 12.5 سنة لدى المولودات بين عامي 1950 و1969 إلى 11.9 سنة لدى المولودات بين عامي 2000 و2005، أي بفارق يقارب سبعة أشهر.

وخلصت مراجعة عالمية إلى أن بداية نمو الثدي لدى الفتيات تقدمت بمعدل يقارب ثلاثة أشهر في كل عقد بين عامي 1977 و2013، بما يعادل نحو عام كامل خلال أربعة عقود.

أما لدى الأولاد، فتظل الأدلة أقل وضوحاً بسبب صعوبة تحديد علامة واحدة لبداية البلوغ، لكن دراسة سويدية امتدت لنحو 50 عاماً أظهرت أن طفرة النمو المرتبطة بالبلوغ أصبحت تبدأ أبكر بنحو شهر ونصف في كل عقد، أي بفارق إجمالي يقترب من سبعة إلى ثمانية أشهر.

ويؤكد الباحثون أن هذه الأرقام لا تعني أن جميع الأطفال يبلغون في العمر نفسه، إذ تختلف النتائج باختلاف البلد والعوامل الوراثية والوزن والظروف الصحية والبيئية وطريقة قياس بداية البلوغ.

Leave a Reply