
في ظهر يوم 25 يوليو/تموز 2026، رست ناقلة النفط العملاقة “كيكو”، المملوكة لشركة يونانية، في محطة تصدير النفط بميناء مسيعيد في قطر، وهو ميناء ضخم يضم 30 رصيفاً على الساحل الغربي للبلاد، على بُعد 25 ميلاً جنوب الدوحة.
وبعد أربعة أيام، أبحرت “كيكو” محملة بالنفط الخام عبر مضيق هرمز. وحافظت ناقلة النفط العملاقة، وهي من فئة (VLCC) التي تُعد الأكبر بين ناقلات النفط، ويزيد طولها على 1000 قدم، على سرعة ثابتة بلغت 13 عقدة أثناء عبورها الخليج، وهي سرعة تقترب من حدها الأقصى.
ثم، في 31 يوليو/تموز، وبعد وقت قصير من الساعة الثانية ظهراً بقليل، اختفت “كيكو” قبالة سواحل دبي.
فقد أوقفت السفينة جهاز الإرسال والاستقبال الآلي (AIS)، وهو جهاز لاسلكي بحري يبث هوية السفينة وسرعتها ومسارها وموقعها. وبالنسبة إلى خدمات التتبع التي تراقب حركة الملاحة البحرية حول العالم، بدت “كيكو” وكأنها اختفت ببساطة.
وفجأة، في الساعة العاشرة صباحاً من يوم 1 أغسطس/آب، ظهرت إشارة “كيكو” من جديد، ولكن على الجانب الآخر من مضيق هرمز.
كانت السفينة جزءاً من أحدث تكتيكات قطاع النفط، والمتمثلة في “العبور المظلم” أو “العبور الخفي” ليلاً عبر المضيق تحت حماية عسكرية أمريكية. والهدف من ذلك هو تجنب هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية، مثل الهجوم الذي استهدف “كيكو” قبل شهر، دون أن تنفجر المسيّرة.
وبمساعدة البحرية الأمريكية، استأجرت شركات النفط السعودية والكويتية والقطرية والإماراتية ناقلات نفط لإيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، ونقل النفط من الخليج عبر مضيق هرمز إلى خليج عُمان، حيث تُفرغ حمولتها من النفط الخام في ناقلات تنتظرها وتملكها الشركات المشترية، قبل أن تعود الناقلات مرة أخرى عبر المضيق.
وأزاحت هذه الخطوة عبء مخاطر التأمين الباهظة والتردد والتخوف من الهجمات الإيرانية عن كاهل شركات الشحن التجارية، لتلقي به على عاتق الحكومة الأمريكية ومنتجي النفط أنفسهم.
وبحسب وزارة الطاقة الأمريكية، أصبحت هذه الاستراتيجية فعالة، إذ تراوح متوسط تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بين 8 ملايين و9 ملايين برميل يومياً. وهذه كمية كبيرة من النفط الخام، تعادل تقريباً ضعف ما كان محللو النفط في وول ستريت وشركات تتبع الشحن، مثل “كبلر”، يستنتجونه بالاعتماد على بيانات أجهزة الإرسال والاستقبال.
وقد غيّرت عمليات العبور السرية قواعد اللعبة بالنسبة إلى صناعة النفط في الشرق الأوسط.
ورصدت CNN أكثر من عشر عمليات لنقل النفط من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان على مدار يومين، فيما واصلت الناقلات رحلتها إلى وجهات من بينها الصين وتايوان وكوريا الجنوبية والفلبين وفيتنام وتايلاند.
إنها مناورة خطرة ومكلفة توفر بعض الانفراج المؤقت لأسواق النفط. لكن في ظل استمرار غياب حلول دائمة، سواء عبر اتفاق ينهي الحرب أو خطة مستدامة لمضيق هرمز، فإن هذا الحل المؤقت يتيح كسب الوقت.
عبور “مظلم”
يأتي تزايد عمليات “العبور المظلم” مثل الرحلة الأخيرة لناقلة “كيكو” في وقت حاسم بالنسبة إلى سوق الطاقة.
فالحرب، التي استمرت فترة أطول بكثير مما توقعه كثيرون، عطلت نحو خُمس إمدادات النفط العالمية لمدة ستة أشهر، لكنها وصلت خلال الأسابيع الأخيرة إلى نقطة تحول.
فقد تلاشت مليارات براميل النفط والوقود من المخزونات التجارية، كما تراجعت الاحتياطيات الطارئة الأمريكية إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي. ولن يستمر اعتماد الصين على مخزونها النفطي الضخم، الذي كان عاملاً رئيسياً في الحيلولة دون وصول أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، إلى الأبد. كما بدأ مستثمرو سوق السندات والناخبون يفقدون صبرهم إزاء ارتفاع الأسعار.
وأمام هذا السيناريو الكابوسي، بدأ منتجو النفط في الشرق الأوسط استخدام استراتيجيتهم الجديدة خلال الأسابيع الماضية.
ولا تمثل هذه الاستراتيجية حلاً مثالياً؛ فمضيق هرمز ضيق للغاية، إذ لا يتجاوز عرضه 23 ميلاً. كما أن أماكن الاختباء محدودة، ولا يزال بإمكان الرادارات رصد السفن حتى مع إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها. وقد تعرضت سفينتان تابعتان للإمارات لهجمات هذا الأسبوع.
لكن نحو 80% من حركة الملاحة عبر المضيق خلال الأسبوعين الماضيين كانت “مظلمة” أو “خفية”، إذ أبحرت السفن بمحاذاة الساحل العُماني، في أبعد مسافة ممكنة عن إيران، وفقاً لبيانات “كبلر”. وبسبب الصراع الإقليمي، تعرضت بعض بيانات التتبع للتشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، ما قد يجعل تقييم حركة السفن أمراً صعباً.
ومثل كثير من السفن التي تستخدم هذا التكتيك الجديد، عادت “كيكو” للظهور بعد يوم من إيقاف جهاز الإرسال والاستقبال، بينما كانت راسية بالقرب من ميناء الفجيرة الإماراتي. وبعد عودة إشارتها إلى الظهور، رست “كيكو” إلى جانب ناقلة نفط يونانية عملاقة أخرى، هي “نيف إلكترون” (Nave Electron)، التي كانت قد وصلت إلى خليج عُمان قبل يوم.
وبقيت السفينتان معاً لمدة أسبوع لإجراء عملية نقل للنفط من سفينة إلى أخرى. وعندما انفصلتا في 8 أغسطس/آب، غادرت “نيف إلكترون” الخليج محملة بالنفط، متجهة إلى بحر العرب في طريقها إلى مدينة نينغبو في الصين.
أما “كيكو” فبقيت قبالة سواحل الفجيرة حتى نحو 14 أغسطس/آب، عندما أوقفت جهاز الإرسال والاستقبال مرة أخرى. وفي اليوم التالي، وقبيل الساعة الرابعة عصراً بقليل، ظهرت إشارتها مجدداً في الخليج، وهي تتجه عائدة نحو قطر.
تغييرٌ في موازين القوى
تُعد عمليات “العبور المظلم” تحت الحماية العسكرية أحدث مثال على زيادة منتجي النفط في الشرق الأوسط كمية النفط التي يستطيعون تصديرها إلى العملاء حول العالم، في خطوة قلبت موازين القوى في مواجهة إيران.
فعلى نحو خاص، أعادت السعودية توجيه نحو 5 ملايين برميل من النفط يومياً كان من المقرر أن تتجه إلى ناقلات النفط المنتظرة في الخليج. وبدلاً من ذلك، نُقل هذا النفط عبر خط أنابيب شرق–غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
كما أعاد منتجو النفط في الشرق الأوسط توجيه نحو مليوني برميل يومياً حول مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، ارتفع الإنتاج في مناطق أخرى من العالم لتعويض النقص. فقد أضافت البرازيل وغويانا وفنزويلا مجتمعة أكثر من مليون برميل يومياً إلى الإنتاج، بينما أضافت الولايات المتحدة مئات الآلاف من البراميل يومياً إلى السوق.
كما جرت منذ أشهر عمليات عبور “مظلمة” أقل تنسيقاً وأقل حماية عسكرية.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، أفرجت الولايات المتحدة عن 400 مليون برميل من النفط من احتياطياتها الطارئة، ما أدى إلى استنزاف كبير لمخزونها في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي.
واعتمدت الصين أيضاً بكثافة على مخزوناتها النفطية الضخمة، بالتزامن مع خفض وارداتها من النفط الخام بشكل كبير.
كما تراجع الطلب العالمي بصورة ملحوظة مع ارتفاع الأسعار، ما ساعد على تحقيق توازن في سوق النفط وإيصال الخام إلى العملاء الذين يحتاجون إليه.
ويواصل السوق إيجاد طريق للتكيف. وقد أثبت أنه أكثر تعقيداً ومرونة بكثير مما توقع حتى أكثر الخبراء معرفة عندما بدأت الحرب.
حل مؤقت
ترسم صور الرادار والأقمار الصناعية لمضيق هرمز صورة مختلفة عما تكشفه بيانات أجهزة الإرسال والاستقبال.
فعلى سبيل المثال، تظهر في صور الأقمار الصناعية الملتقطة في 14 أغسطس/آب صفوف من النقاط تمتد في شكل قوس بمحاذاة الساحل العُماني عبر مضيق هرمز. لكن هذه النقاط لا تتطابق مع بيانات تتبع السفن في نفس اليوم والتوقيت. فقد اختفت تلك السفن عن أجهزة التتبع.
وفي 7 أغسطس/آب، ظهرت ناقلتان مملوكتان لشركتين يونانيتين إلى جانب بعضهما البعض في خليج عُمان على بيانات أجهزة الإرسال والاستقبال. وتُظهر صور الأقمار الصناعية ناقلة “نيسوس كيثنوس” (Nissos Kythnos)، وهي ناقلة مخصصة للرحلات المكوكية وكانت قد عبرت المضيق بشكل “مظلم”، مصطفة إلى جانب “فرونت أوترا” (Front Otra).
وفي 14 أغسطس/آب، جرى رصد “فرونت أوترا” في بحر العرب، وهي في طريقها إلى تايوان، بينما كانت “نيسوس كيثنوس” قد عادت إلى الخليج.
لكن لا يمكن أن يستمر الوضع على هذا النحو إلى الأبد.
فقد تراجعت مخزونات النفط بما يصل إلى 1.9 مليار برميل خلال فترة الحرب. وإذا وصل السوق إلى حالة من التوازن، فسيكون من الضروري إعادة ملء هذه المخزونات لتجنب أزمة جديدة.
أما إذا لم يتحقق هذا التوازن، فستستنزف المخزونات في نهاية المطاف إلى مستويات متدنية للغاية بحيث لا تعود قادرة على الاعتماد عليها لتلبية الطلب العالمي على النفط، ما سيؤدي إلى بلوغ نقطة تحول لا يكون أمام السوق عندها سوى رفع أسعار النفط بشكل كبير لكبح المزيد من الطلب.
وقد ظهرت مشكلة مماثلة بالفعل في سوق الوقود؛ إذ تعاني ثلاثة من أكبر أربعة مراكز لتكرير النفط في العالم من ضغوط شديدة.
فقد ألحقت الحرب مع إيران أضراراً بمصافي التكرير في الشرق الأوسط، وأدت إلى تباطؤ صادرات الوقود من المنطقة.
أما روسيا، وهي مصدر رئيسي آخر للوقود، فقد تعطلت قدراتها بسبب حرب أخرى، هي الحرب مع أوكرانيا. واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية مصافي التكرير الروسية، فيما خفضت موسكو صادراتها لمواجهة نقص الوقود في السوق المحلية.
وتسعى الصين، لتجنب حدوث نقص في الوقود لديها، إلى الحد من صادراتها من المنتجات النفطية المكررة. ويكتسب ذلك أهمية كبيرة لأن الصين عادة ما تكون من كبار مصدري الوقود.
وهذا يترك مصافي التكرير الأمريكية على ساحل الخليج تتحمل العبء الأكبر من الطلب العالمي. لكن المصافي الأمريكية لا تستطيع العمل بأقصى طاقتها إلى ما لا نهاية.
ويشهد الطلب على البنزين، وخاصة الديزل ووقود الطائرات، ارتفاعاً كبيراً في ظل محدودية طاقة التكرير اللازمة لإنتاجه، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات تفوق بكثير ما توحي به أسعار النفط الخام.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد نجح خلال أشهر في الضغط على أسعار النفط نحو الانخفاض، من خلال التلويح باختراق وشيك في المفاوضات. لكن استراتيجيته تغيرت مؤخراً؛ إذ أصبحت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تتمثل في خنق إيران اقتصادياً، عبر تنفيذ “عملية اقتصادية ساحقة” من خلال حصار بحري طويل الأمد للموانئ الإيرانية.
وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط تدريجياً خلال أسابيع، لتقترب من 100 دولار للبرميل.
ومع غرق البلدين في مأزق مستعصٍ من الحرب، أبقت المعركة على السيطرة على المضيق أسعار النفط، وخاصة الغاز والديزل ووقود الطائرات، عند مستويات مرتفعة بشكل مقلق بالنسبة للمستهلكين، ما أدى إلى زيادة التضخم وتقليص الدخل المتاح للإنفاق.
لكن قدرة السوق اللافتة على إيجاد طرق للتكيف، ولو جزئياً، مع تداعيات الصراع حالت أيضاً دون ارتفاع الأسعار إلى مستويات فلكية كتلك التي كان يمكن أن تتسبب بها أكبر صدمة لإمدادات النفط في تاريخ العالم.



