اعمال

أزمة صامتة تهدد موانئ العالم.. 1.8 مليون حاوية «مفقودة» فما السر؟

24 ألف حاوية في سفينة واحدة

24 ألف حاوية في سفينة واحدة

قبل 70 عامًا، كان تفريغ سفينة وإعادة تحميلها في أرصفة لندن يستغرق 10 أيام على الأقل، بمشاركة نحو 50 عاملًا في الميناء، وكانت سرقة البضائع منتشرة، والحوادث شائعة، فيما كانت أعمال الموانئ عرضة للتعطل بسبب إضرابات العمال.

ثم ظهرت حاوية الشحن، وهي صندوق فولاذي يبلغ مقاسه 8 أقدام × 20 قدمًا، ما تطلب استخدام سفن تتزايد أحجامها باستمرار لنقل كميات متنامية من البضائع، وأصبحت هذه السفن الضخمة غير قادرة على الإبحار عبر نهر التايمز للوصول إلى أرصفة وسط لندن.

كما أدى استخدام الرافعات لرفع الصناديق إلى الاستغناء عن مئات العمال في الموانئ.

ويقول بادي رودجرز، مدير المتاحف الملكية في غرينتش: كان بإمكانك رؤية شحنات معبأة في أكياس تُفرَّغ في أرصفة سانت كاثرين «شرق جسر البرج» في أواخر ستينيات القرن الماضي، لكن بحلول أواخر السبعينيات، كان الموقع قد تحول إلى مشروع تطوير عقاري، بحسب صحيفة فايننشال تايمز.

لكن ذلك لم يكن نهاية التجارة البحرية في لندن، واليوم على بُعد نحو 30 ميلًا باتجاه مجرى النهر، في ميناء لندن غيتواي، تعمل شركة تشغيل الموانئ «دي بي ورلد» على توسيع أكبر ميناء للحاويات في المملكة المتحدة.

1.8 مليون حاوية «مفقودة»

تتسبب الحاويات الفارغة في ازدحام الموانئ، بينما تنتظر السفن في طوابير للحصول على أرصفة شاغرة لتفريغ حمولاتها، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة ومدة شحن البضائع.

ويتم بناء المزيد من السفن الجديدة لتلبية الطلب المتزايد، لكن عددًا قليلًا من الموانئ يمتلك البنية التحتية اللازمة لاستيعابها.

وقد بلغ الازدحام مستوى يجعل نحو 1.8 مليون حاوية بحجم 20 قدمًا «مفقودة» فعليًا من شبكات الشحن العالمية في أي وقت، وفقًا لشركة تحليل قطاع النقل البحري «سي إنتليجنس»، ويعادل هذا العدد تقريبًا الطاقة الاستيعابية لثامن أكبر شركة شحن في العالم.

https://www.facebook.com/plugins/post.php?href=https://www.facebook.com/watch/?v=2493613661056141&width=500

ويحذر محللون من أن بلوغ قطاع شحن الحاويات حدوده القصوى قد يؤدي إلى تعثر التشغيل السلس لسلاسل الإمداد العابرة للقارات وتدفق السلع عبر الحدود، ما قد يمثل نهاية 50 عامًا من التجارة العالمية منخفضة التكلفة.

رافعات عملاقة وسرعة قياسية

في هذا الميناء، تستغرق الرافعات نحو 40 ساعة لتفريغ وإعادة تحميل سفينة حاويات كبيرة، تضم نحو 20 ألف صندوق فولاذي، ترفعها رافعات محوسبة يبلغ ارتفاعها 146 مترًا، وتتحرك بمعدل حاويتين كل 3 إلى 4 دقائق.

وتُعد هذه الكفاءة وهذا الحجم شهادة على أهمية الحاوية الفولاذية غير اللافتة للنظر، وهي اختراع أدى إلى خفض تكاليف الشحن إلى نسبة ضئيلة للغاية من إجمالي قيمة التصنيع، بما مكّن التجارة العالمية من التوسع سريعًا على مدى السنوات الـ70 الماضية.

لكن الطلب البشري الذي لا يشبع على السلع الاستهلاكية يدفع الآن شبكة الشحن العالمية إلى حدود طاقتها، فقد بلغ ازدحام الموانئ مستويات قياسية، بينما أدت الزيادة الكبيرة في الصادرات الصينية إلى وجود عدد قليل من البضائع التي يمكن وضعها في الحاويات خلال رحلة العودة، ما يترك شركات الشحن تتحمل تكلفة إعادتها فارغة.

وقال رولف هابن يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة الشحن «هاباغ-لويد»، للصحفيين الأسبوع الماضي: اختلال التوازن التجاري يزداد سوءًا، وهذه مشكلة لأن ذلك يعني أن تكلفة «نقل» الحاويات الفارغة ترتفع.

الموانئ والسفن العملاقة أمام حدود طبيعية

يقول جو كراميك، الرئيس التنفيذي للمجلس العالمي للشحن: «لم يسبق أن كان دفتر طلبات سفن الحاويات بهذا الحجم، ولم يسبق أن كانت هناك مثل هذه الطاقة الاستيعابية التي ستدخل الخدمة، ومع ذلك تواصل إحصاءات التجارة العالمية الارتفاع.

ومع بدء السفن في الوصول إلى الحد الأقصى للحجم الذي تسمح به الموانئ ونقاط الاختناق مثل قناة السويس، يضيف كراميك أن هناك قيودًا طبيعية سيواجهها القطاع مع تقدمه إلى الأمام.

صناديق فولاذية متواضعة

على مدى عقود قبل خمسينيات القرن الماضي، جرت محاولات لتوحيد عملية شحن البضائع التي كانت تعاني الفوضى.

وكانت الصناديق الخشبية المفتوحة المستخدمة للفحم، التي كانت تُرفع بالرافعات من الصنادل إلى عربات السكك الحديدية خلال الثورة الصناعية في إنجلترا، تُعد على الأرجح أولى الحاويات «متعددة الوسائط»، القادرة على الانتقال من وسيلة نقل إلى أخرى.

كما أدى نمو نقل البضائع بالسكك الحديدية في أنحاء أوروبا إلى الدفع باتجاه تنظيم صناديق ليفْت فان؛ وهي صناديق خشبية ثقيلة كانت تُستخدم في عربات القطارات.

وفي يونيو حزيران 1933، وضع مكتب أنشأته غرفة التجارة الدولية ومقرها باريس قواعد للحاويات المستخدمة في أوروبا الغربية، بحيث تتناسب عرضيًا مع عربات السكك الحديدية وطوليًا مع أسطح الشاحنات المسطحة.

الجيش الأميركي يمهد الطريق

لاحقًا، طور الجيش الأميركي صندوقًا يُعرف باسم «ترانسبورتر»، وهو صندوق فولاذي مضلع يزيد طوله قليلًا على 8 أقدام، ظل مغلقًا حتى نقطة التسليم، وأدى إلى إنشاء «كونيكس» أو حاوية إكسبرس عام 1952.

وكان من السهل نقل هذه الصناديق بين الطرق والسكك الحديدية والسفن، ما أدى إلى خفض زمن الشحن من الولايات المتحدة إلى كوريا من 55 يومًا إلى 27 يومًا، كما قلل السرقة في الأرصفة.

لكن رجلًا متمردًا في قطاع النقل بالشاحنات، تعرض للإفلاس عدة مرات، هو الذي أنشأ تجارة الحاويات التجارية التي نعرفها اليوم.

مالكوم ماكلين.. الرجل الذي غيّر الشحن

بدأ مالكوم ماكلين أول شركة نقل بري له عام 1934 من محطة وقود في ولاية نورث كارولاينا، بعدما لاحظ فرصة لنقل البنزين بنفسه، وخلال عام واحد أصبح لديه 9 سائقين، وطور هوسًا لا يهدأ بالتكاليف.

يقول جون ماكاون، الذي عمل مع ماكلين لأكثر من 20 عامًا: كان من الأشياء المفضلة لديه إجراء مقارنات لتكلفة نقل الحاوية لكل ميل بين المنافسين المختلفين ومعرفة تكلفتهم، مضيفاً أنه كان دائمًا يحمل بجانبه ورقة صفراء وقلم رصاص.

وبعد بضع سنوات، أصبح سائقو ماكلين ينقلون أكثر بكثير من النفط، وأصبح رجل الشاحنات مهووسًا بتجاوز الازدحام على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وبدأ يبحث في إمكانية نقل شاحناته بواسطة الصنادل.

براءة اختراع غيّرت الصناعة

في عام 1954، تقدم ماكلين بطلب للحصول على براءة اختراع لحاوية شحن موحدة يمكن تكديسها على متن السفن وتثبيتها في مكانها، ثم فكها بسهولة ورفعها بالرافعات ووضعها على الشاحنات.

وبعد عام، باع حصة تبلغ 75% في شركة النقل بالشاحنات الخاصة به مقابل 6 ملايين دولار، لشراء شركة «بان أتلانتيك تانكر» التي كانت تمتلك أسطولًا من ناقلات النفط القديمة.

وفي 26 أبريل نيسان 1956، جرى تحميل ناقلة نفط محولة تُدعى «إيديل إكس» بـ58 حاوية في ميناء نيوارك بولاية نيوجيرسي، وأبحرت إلى تكساس، وسط متابعة عدد من المسؤولين التنفيذيين المذهولين الذين دعاهم ماكلين لمشاهدة التجربة.

وبحسب حسابات ماكلين في عام 1956، كانت تكلفة تحميل سفينة شحن تقليدية تبلغ 5.83 دولار للطن، بينما بلغت تكلفة تحميل «إيديل إكس» 15.8 سنت للطن، أي انخفاضًا بنسبة 97%.

وكان هذا الفارق الكبير في التكلفة يعني أنه رغم مقاومة نقابات العمال، لم يكن هناك الكثير مما يمكن أن يمنع الانتشار السريع للحاويات.

توحيد أبعاد الحاويات

جرى توحيد أبعاد الحاويات ابتداء من عام 1968، وهي خطوة يقول بريان سلاك، أستاذ الجغرافيا والتخطيط في جامعة كونكورديا في مونتريال، إنها غالبًا ما يتم تجاهلها.

ويضيف: من دونها، لم تكن الحاويات لتُحدث ثورة بالقدر الذي انتهت إليه.

توفي ماكلين عام 2001، وهو العام الذي انضمت فيه الصين إلى منظمة التجارة العالمية.

وبحلول ذلك الوقت، كان انخفاض تكاليف الشحن الناتج عن الحاويات قد مكّن الشركات من نقل الإنتاج إلى أجزاء من العالم تتمتع بعمالة أرخص بكثير، ما أدى إلى طفرة صناعية في جنوب شرق آسيا شكلت تحديًا وجوديًا للصناعات التقليدية في أوروبا والولايات المتحدة.

الحاوية تصنع الصين «مصنع العالم»

يقول المصمم الصناعي سيباستيان كونران: «ما كانت الصين لتصبح قوة التصنيع التي هي عليها لو لم تكن هناك حاويات شحن»، متذكرًا فترة ما قبل الحاويات، عندما كان الأمر يستغرق «أسبوعًا على الأقل لإدخال (المنتجات) إلى السفينة وأسبوعًا لإخراجها منها».

وجرى تنفيذ أكثر من 280 مليون رحلة للحاويات بين الأسواق العالمية العام الماضي، وتحمل الحاويات نحو ثلثي البضائع المنقولة بحرًا، أي نحو 60% من إجمالي التجارة العالمية، وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

ويعمل حاليًا أكثر من 7,000 سفينة حاويات، ويمكن لأكبر السفن حمل شحنة تعادل قطار شحن يبلغ طوله 44 ميلًا، مع إمكانية وضع نحو 120 ألف موزة أو 10 آلاف زوج من الجينز في الحاوية الواحدة.

وقد تضاعف متوسط حجم السفن أكثر من مرتين منذ عام 2000، وفقًا للمجلس العالمي للشحن.

آسيا تختنق من زحام الموانئ

قال هابن يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة «هاباغ-لويد»، إن التجارة الخارجة من آسيا على ما يُعرف باسم «المسار الرئيسي» نمت بنحو 25% خلال السنوات الثلاث الماضية، وإن الموانئ الآسيوية، على وجه الخصوص، أصبحت تعاني ازدحامًا دائمًا «بسبب هذا النمو القوي».

ويبلغ الحجم القياسي الحالي لسفينة الحاويات ما يُعرف باسم سفينة الحاويات فائقة الضخامة «MSC Irina»، التي تبلغ طاقتها الاستيعابية 24,346 حاوية مكافئة لوحدة 20 قدمًا، أو TEU.

ويعادل عدد سفن الحاويات الجديدة قيد الطلب نحو 40% من أسطول السفن الحالي، وهو مستوى قياسي.

الموانئ مثل المطارات.. والسفن مثل الطائرات

يقول كيث سفيندسن، الرئيس التنفيذي لشركة «إيه بي إم تيرمينالز» التابعة لشركة «ميرسك»، التي تستثمر في الموانئ وتشغلها، إن «البنية التحتية بأكملها المحيطة بالموانئ» تشعر بالضغط.

ويضيف: إنها تشبيه رائع إذا فكرت في الموانئ والشحن، وقارنتها بالمطارات والطائرات، إذا حصلنا على طائرة أكبر، فإننا نحتاج إلى مدرج أطول».

تتجه شركات شحن الحاويات بصورة متزايدة إلى شراء حصص في الموانئ والمحطات، في محاولة لتحسين كفاءة عملياتها.

ففي عام 2024، اشترت شركة الشحن الفرنسية «سي إم إيه سي جي إم» حصة مسيطرة في المشغل الرئيسي للموانئ في البرازيل.

أزمة أخرى.. من يدفع تكلفة الحاويات الفارغة؟

تتمثل المشكلة الأخرى في كيفية دفع تكلفة إعادة الحاويات الفارغة من الولايات المتحدة وأوروبا إلى الصين، في رحلة العودة.

يقول أحد مسؤولي شركات شحن الحاويات: «على خط آسيا-الولايات المتحدة، كان الأمر في السابق أنه مقابل كل 10 حاويات تأتي من آسيا، كانت نحو 6 حاويات تعود محملة بصادرات أميركية، أما اليوم فأصبح العدد أقرب إلى 3 أو 4 حاويات تعود محملة».

وأضاف: «نحن ننقل الآن نسبة من الحاويات الفارغة أكبر مما سبق لنا أن نقلناه في أي وقت مضى».

وهذا يعني ارتفاع أسعار الشحن للصادرات الآسيوية، أو اضطرار شركات الشحن إلى البحث عن بضائع لملء سفنها.

ويقول المسؤول التنفيذي: «نحن نحاول عمومًا العثور على أي سلع يمكن نقلها في حاويات».

وأصبحت نفايات الورق المخصصة لإعادة التدوير، والنبيذ الموجود في أكياس بلاستيكية ضخمة، وحتى الحبوب التي عادة ما تُشحن سائبة على سفن البضائع الجافة، من عمليات الشحن المهمة في رحلات العودة.

الطلب العالمي يرتفع 5.2%

ارتفع الطلب العالمي على الحاويات بنسبة 5.2% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، بينما ارتفعت الصادرات الصينية بنسبة 12.4%، وفقًا لشركة تحليل قطاع النقل البحري «زينيتا».

وجاء ذلك مع قيام الشركات بتنويع سلاسل الإمداد وتسريع زيادة المخزونات قبل دخول الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة حيز التنفيذ في يوليو تموز.

ويقول توفت: لقد جعلت التوترات التجارية سلسلة الإمداد أكثر عالمية بالتأكيد، بمعنى أنه في السابق كان الناس أكثر ميلًا إلى وضع المزيد من البيض في سلة واحدة، لكن الآن، مع كل ما حدث، نرى العملاء يحاولون تنويع سلاسل الإمداد الخاصة بهم عبر مزيد من مناطق العالم.

اترك تعليقاً