
هجرة الشباب من بريطانيا تتسارع بحثاً عن فرص وحياة أفضل (فاينانشال تايمز)
يتزايد عدد البريطانيين الشباب الذين يتركون المملكة المتحدة بحثاً عن فرص أفضل ومستوى معيشة أعلى، في وقت اتسعت فيه الفجوة بين أعداد البريطانيين المغادرين والعائدين كل عام منذ 2022.
وبحسب أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، غادر نحو 246 ألف مواطن بريطاني المملكة المتحدة العام الماضي، أي أكثر من ضعف عدد العائدين، وكان الشباب في مقدمة المغادرين؛ إذ تقل أعمار ثلاثة أرباعهم عن 35 عاماً.
رواتب أفضل وتكلفة معيشة أقل
تجسد تجربة الطبيب البريطاني بن راسل هذا الاتجاه، بعدما انتقل من لندن إلى فانكوفر، حيث يتوقع أن يرتفع راتبه من 125 ألف جنيه إسترليني في بريطانيا إلى نحو 160 ألف جنيه في كندا. وكان يتوقع في بريطانيا دخلاً يتراوح بين 80.5 ألف و92 ألف جنيه.
ولا تقتصر دوافع المغادرة على الرواتب. فقد أظهر استطلاع للمجلس الثقافي البريطاني أن 72% من البريطانيين بين 18 و30 عاماً يفكرون في العيش والعمل خارج البلاد، بينما قال 63% إن مستوى معيشتهم أسوأ من مستوى معيشة جيل آبائهم، معتبرين انخفاض الأجور أكبر تحدٍ يواجه الشباب.
وتأتي هذه الرغبة في ظل ارتفاع البطالة إلى 5.2% في نهاية العام الماضي، وهو أعلى مستوى في خمس سنوات، بينما بلغ عدد المتقدمين لكل وظيفة 2.5 شخص. كما تراجعت الوظائف المتاحة للخريجين 45% على أساس سنوي إلى أقل من 10 آلاف وظيفة في بداية 2026.
أستراليا تجذب العمال البريطانيين
تبدو أستراليا إحدى الوجهات المستفيدة من هذا الاتجاه، خصوصاً ولاية جنوب أستراليا التي تستعد لطفرة جديدة في النحاس مع خطط توسع شركة بي إتش بي BHP، وتبحث عن مهندسين وعمال كهرباء وأطباء أسنان ومحاسبين وغيرهم من أصحاب المهارات.
ووصل أكثر من 25 ألف مهاجر مولود في بريطانيا إلى أستراليا خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو/حزيران 2025، فيما يقول مسؤولون إن دوافع القادمين تتمثل في نمط الحياة وتكلفة المعيشة والشعور بعدم الرضا عن الحياة في بريطانيا.
وأسهمت حملات استقطاب العمال التي نظمتها حكومة جنوب أستراليا في تسجيل 8 آلاف شخص لحضور فعاليات في مدن بريطانية مختلفة، ما يعكس وجود اهتمام واضح بالانتقال.
هل تواجه بريطانيا نزيفاً للعقول؟
رغم ارتفاع أعداد المغادرين، يرى خبراء الهجرة أن وصف الوضع بأنه «نزيف للعقول» قد يكون مبالغاً فيه. ويقول جوناثان بورتس، أستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في كلية كينغز لندن، إن بيانات الهجرة تشير إلى أن معدلات المغادرة والعودة ظلت مستقرة تقريباً خلال السنوات الخمس الماضية.
كما أن العمالة البريطانية المهاجرة قد تكون أكثر مهارة من المتوسط، لأن أصحاب المؤهلات العالية أكثر قدرة على الانتقال، لكن تدفق العمالة الماهرة إلى بريطانيا يمنع، حتى الآن، حدوث تأثير اقتصادي خطير.
ويرى خبراء آخرون أن الهجرة قد تكون مفيدة أيضاً؛ فالبريطانيون الذين يعملون في الخارج يمكن أن يعودوا بخبرات وشبكات جديدة تدعم التجارة والاستثمار.
المشكلة الأكبر: القدرة على تحمل تكاليف الحياة
لكن حتى من دون وصف الظاهرة بأنها نزيف للعقول، فإن ارتفاع الهجرة يسلط الضوء على مشكلة أعمق: صعوبة تحقيق الشباب البريطاني للأمان المالي على المدى الطويل.
ويتخرج الطلاب في إنجلترا بديون جامعية تتجاوز في المتوسط 50,865 جنيهاً إسترلينياً، بينما يبلغ إجمالي الإنفاق على الطالب في التعليم العالي 26,452 جنيهاً، وهو أعلى بنحو 65% من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ومع تركز وظائف الخريجين في لندن وارتفاع تكاليف السكن، يواجه الشباب ضغوطاً متزامنة من الديون والإيجارات. وتتراوح تكلفة غرفة في شقة مشتركة في لندن بين 750 و1,250 جنيهاً شهرياً قبل إضافة فواتير الخدمات والتكاليف الأخرى.
في المقابل، يدفع راسل 1,400 جنيه شهرياً مقابل شقة حديثة من غرفة واحدة في فانكوفر تتمتع بإطلالة على الجبال، بينما كان مستأجر غرفته في لندن يدفع 1,350 جنيهاً شهرياً.
جاذبية بريطانيا تحت الاختبار
يرى بعض الاقتصاديين أن الخطر الأكبر قد لا يكون في مغادرة البريطانيين أنفسهم، وإنما في أن تصبح البلاد أقل جاذبية للعمال المحليين والمهاجرين المهرة على حد سواء.
وكانت الحكومة البريطانية قد طرحت في ورقة الهجرة البيضاء العام الماضي خططاً لخفض صافي الهجرة عبر تشديد شروط تأشيرات العمل، ورفع متطلبات المهارات، وزيادة فترة التأهل للحصول على الإقامة من خمس إلى عشر سنوات.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بمن يغادر بريطانيا، بل بقدرة البلاد على أن تظل مكاناً يرغب الناس في العيش والعمل فيه، سواء كانوا بريطانيين أو عمالاً مهرة من الخارج.



