
في ظل المخاوف المتجددة من إغلاق مضيق هرمز وما قد يترتب عليه من تعطيل أو تقييد لحركة صادرات النفط في المنطقة، تتجه الأنظار إلى خيارات العراق البديلة لضمان استمرار تدفق الخام إلى الأسواق العالمية.
ويبرز المسار السوري كأحد الحلول المطروحة، عبر التوصل إلى تفاهمات بين بغداد ودمشق تتيح استئجار خزانات النفط في الموانئ السورية وخزن النفط العراقي فيها، تمهيدًا لتسويقه وتصديره عبر المنافذ البحرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بما يوفر منفذًا إضافيًا يقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على الممرات البحرية التقليدية في الخليج.
وفي 2 حزيران/ يونيو الجاري، وافق مجلس الوزراء العراقي على تعاقد وزارة النفط مع الجانب السوري من أجل نقل وخزن ومناولة كمّيات من النفط الخام خام البصرة الخفيف، والمتوسط، والثقيل عبر ميناءي بانياس وطرطوس السوريين على البحر الأبيض المتوسط.
العراق ملزم بالبحث عن بدائل لمضيق هرمز
وأكد المحلل السياسي عبد الستار الجبوري، أن التطورات المتسارعة في المنطقة والأزمات المرتبطة بمضيق هرمز تفرض على العراق البحث عن بدائل استراتيجية لتصدير النفط والتجارة، محذراً من استمرار حالة عدم الاستقرار حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين الأطراف المتصارعة.
وقال الجبوري، في حديث لـ”سبوتنيك”، إن “أزمة مضيق هرمز لم تعد أزمة أمنية أو عسكرية فحسب، بل تحولت إلى أزمة سياسية ذات أبعاد طويلة الأمد، الأمر الذي يستوجب من العراق التحرك لإيجاد منافذ بديلة تضمن استمرار تدفق صادراته النفطية بعيداً عن المخاطر الحالية والمستقبلية”.
وأضاف أن أقرب الخيارات المتاحة أمام العراق يتمثل في سوريا، باعتبارها تمتلك إطلالة مباشرة على البحر الأبيض المتوسط، مبينًا أن “المتغيرات السياسية التي شهدتها سوريا مؤخراً تتيح إمكانية عقد اتفاقات اقتصادية واستراتيجية تخدم مصالح الطرفين.
وأشار إلى أن “العراق بحاجة إلى منفذ آمن ومستقر لتصدير النفط، لا سيما مع التحديات المرتبطة بخط جيهان التركي وإمكانية إعادة التفاوض بشأنه مستقبلاً، مؤكداً أن الربط مع الموانئ السورية على المتوسط قد يشكل خياراً مهماً لتعزيز الأمن الاقتصادي العراقي”.
وأوضح الجبوري أن “المناقشات الخاصة بهذا الملف بدأت بالفعل خلال الأيام الماضية”، معرباً عن أمله في “المضي بالمشروع لما يوفره من مكاسب اقتصادية للعراق وسوريا على حد سواء، ويمنح بغداد خيارات أوسع بعيداً عن أي أزمات محتملة في الخليج”.
ويعتبر مضيق هرمز من أبرز الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، حيث تمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز عالميًا، بما فيها صادرات العراق، ما يجعل أي تهديد بإغلاقه مصدر قلق للمجتمع الدولي والأسواق العالمية.
ويمتد المضيق بين سلطنة عمان وإيران، ويشكل الطريق الرئيسي لتصدير النفط لدول منتجة كبرى مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق. كما تمر عبره كميات هائلة من النفط الخام المستخرج من حقول أعضاء منظمة أوبك، لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة.
وتشير تقديرات رسمية وغير رسمية إلى أن النفط يشكل أكثر من 90% من إجمالي صادرات العراق، ويعد المورد الأساسي لتمويل الموازنة العامة ومشاريع التنمية، ما يجعل الاقتصاد العراقي هشًا ومعرضًا لتقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية.
الحاجة إلى منافذ تصدير متعددة والعراق قد يتجه عبر سوريا
في غضون ذلك، رأى الخبير النفطي صلاح بوشي، أن الأزمة التي شهدها مضيق هرمز نتيجة التوترات والحرب الدائرة في المنطقة كشفت أهمية تنويع منافذ التصدير ومصادر الإيرادات للعراق، لتجنب التأثر المباشر بأي اضطرابات إقليمية.
وفي حديث لـ”سبوتنيك”، قال بوشي، إن السياسة الاقتصادية والإدارة المالية الناجحة تتطلب تعدد الخيارات ومصادر التمويل، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على عائدات النفط التي تمثل الركيزة الأساسية للموازنة العامة.
ولفت إلى أن “الأحداث الأخيرة أثرت بشكل مباشر على تدفقات النفط العراقية وأظهرت حجم المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار تصدير واحد”، مشيراً إلى أن “هذه التجربة ينبغي أن تدفع الحكومة العراقية إلى البحث عن بدائل استراتيجية تضمن استمرار الصادرات في مختلف الظروف”.
ووفقاً لبوشي، فإن أحد الخيارات المطروحة أمام السلطة التنفيذية يتمثل بإنشاء أو تفعيل مسارات تصدير عبر الأراضي السورية، الأمر الذي قد يفتح آفاقاً جديدة لتعزيز الموارد المالية وتنويع منافذ التصدير.
وتابع بوشي حديثه، قائلاً إن تنويع المسارات التصديرية لا يمثل خياراً مؤقتاً مرتبطاً بالأزمات الحالية، بل يعد ضرورة اقتصادية واستراتيجية لضمان استقرار الإيرادات النفطية وحماية الاقتصاد العراقي من التقلبات الجيوسياسية في المنطقة.
وتشهد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شبه شلل منذ اندلاع الحرب أواخر شباط/فبراير الماضي، فيما زاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، يوم الإثنين، من المخاوف بشأن انهيار الهدنة الهشة التي استمرت لأربعة أسابيع.
وفي خضم هذه التطورات، كان العراق من بين أولى الدول المنتجة للنفط في المنطقة التي اتجهت إلى خفض الإنتاج مبكراً، بعد امتلاء السعات التخزينية الفائضة بوتيرة متسارعة، نتيجة تعثر صادرات الخام عبر الخليج العربي وتزايد الاضطرابات في خطوط الإمداد العالمية.



