اقتصاد

حرائق بقوة القنابل الذرية.. أوروبا تدخل حقبة جديدة من الاحتباس الحراري

أوروبا تدخل حقبة جديدة من الاحتباس الحراري

اشتعلت النيران الهائلة في جنوب غرب فرنسا بوتيرة غير مسبوقة، لتدخل أوروبا حقبة جديدة من الحرائق، بحسب الخبراء.

لطالما شهدت أوروبا حرائق غابات، لكنها أصبحت أكثر حدةً مع تفاقم أزمة المناخ، وقد بذل رجال الإطفاء في فرنسا وإسبانيا هذا الأسبوع جهوداً مضنية للسيطرة على حرائق أشد ضراوة وأكثر اضطراباً من أي شيء واجهوه من قبل.

يوم الأربعاء صرحت السلطات في إسبانيا وفرنسا بأن بعض حرائق الغابات قد تم احتواؤها، لكنها أعربت عن قلقها من احتمال تدهور الوضع في ظل موجة الحر الرابعة التي تشهدها أوروبا هذا العام، كما حذّر الاتحاد الأوروبي من خطر اندلاع حرائق في اليونان وإيطاليا.

يأتي هذا كله في أعقاب موسم حرائق قياسي شهدته أوروبا العام الماضي، حيث يقول الخبراء إن القارة تنضم إلى قائمة طويلة من المناطق التي عانت من موسمين متتاليين من الحرائق الشديدة، من سيبيريا إلى الأمازون.

قنابل ذرية

يقول فيكتور ريسكو دي ديوس، محاضر التغير المناخي في جامعة ليدا بإسبانيا: «لقد دخلنا عصر حرائق لا يمكن إخمادها، إنها حرائق تشتعل بشدة تعادل عدة قنابل ذرية».

والتهمت حرائق الغابات في فرنسا حتى الآن أكثر من 160 ألف هكتار (نحو 617 ميلاً مربعاً)، مما يجعلها الأكبر على الإطلاق في تاريخ البلاد، والرقم قابل للزيادة، حيث لا تزال هناك أشهر متبقية من موسم حرائق الغابات.

ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأوضاع في بلاده، يوم الاثنين الماضي خلال زيارة إلى بوردو، بأنها «الأصعب منذ الحرب العالمية الثانية».

السحب النارية

ظهرت السحب النارية في سماء فرنسا، وهي تُعرف أيضاً بـ«السحب الركامية النارية»، حيث تشكلت خلال عطلة نهاية الأسبوع في منطقة جيروند، بالقرب من بوردو، وفقاً لسلطات الإطفاء المحلية.

وتتشكل السحب النارية عندما تولد حرائق الغابات الشديدة عموداً من الحرارة العالية، يرتفع بسرعة إلى الهواء البارد في الأعلى ويتكثف ليُشكل سحباً رعدية شاهقة، ويمكن لهذه السحب أن تُولد رياحاً وأمطاراً وبرقاً، وتحول الحرائق إلى عواصف نارية متقلبة وغير متوقعة.

وهذه الظاهرة هي التي أنتجت الإعصار الناري في لوس أنجلوس عام 2025، لكنها ليست شائعة في أوروبا.

وأفاد المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى بأن هذه السحابة النارية «تسلط الضوء على شدة الحريق الحالي الاستثنائية والظروف الجوية غير العادية التي تشتعل فيها»، وفق فرانشيسكا دي جوزيبي، منسقة التنبؤات بالحرائق في المركز.

وطلبت فرنسا وإسبانيا المساعدة من الاتحاد الأوروبي لمواجهة هذه الظاهرة، وتم إجلاء أكثر من 300 ألف شخص من البلدين حتى الآن.

قال ستيفان دوير، مدير مركز أبحاث حرائق الغابات في جامعة سوانزي في ويلز: «إن أزمة حرائق غابات متزامنة ومتعددة الجنسيات أمر نادر الحدوث في أوروبا».

وقد اجتاحت الحرائق مناطق قريبة من مدن رئيسية، بما في ذلك حريق اجتاح مقاطعة أفيلا الجبلية، غرب العاصمة الإسبانية مدريد، لتُشكل الحرائق الأكبر في تاريخ البلاد، وفقاً لما ذكرته السلطات.

ويقول الخبراء إن إخماد حرائق بهذا الحجم بشكل كامل يكاد يكون مستحيلاً حتى ينفذ الوقود (الأشجار) أو يهطل مطر غزير، مهما بلغت موارد مكافحة الحرائق المُستخدَمة.

وبدأت حرائق الغابات في تركيا بالاشتعال، وأفادت السلطات بأن الحرائق امتدت إلى مناطق زراعية على ساحل بحر إيجة، وفي اليونان المجاورة، لقي ثلاثة رجال إطفاء على الأقل حتفهم، أثناء مكافحة النيران حسبما أفاد مسؤولو جهاز الإطفاء اليوناني، وأصدرت السلطات أمراً بإخلاء مدينة تريوبيترا على الساحل الجنوبي لجزيرة كريت.

أثر الاحتباس الحراري

كل حريق غابات معقد وفريد من نوعه، ويتأثر بعوامل عديدة، منها إدارة الأراضي، والتضاريس، وموارد مكافحة الحرائق، لكن الظواهر الجوية المتطرفة، التي تفاقمت بفعل تغير المناخ، كانت عاملاً رئيسياً في حرائق أوروبا.

يؤدي الاحتباس الحراري إلى تقلبات حادة بين فترات الجفاف والرطوبة، ويُطلق على هذه الظاهرة اسم «تأثير السوط»، كما وصفها ماثيو جونز، الباحث المستقل في كلية العلوم البيئية بجامعة إيست أنجليا في إنجلترا.

شهد الشتاء الماضي أمطاراً غزيرة غير معتادة في فرنسا وإسبانيا، مما أدى إلى نمو هائل للغطاء النباتي، ثم انقلب الطقس رأساً على عقب، ومنذ شهر مايو اجتاحت أوروبا الغربية موجات حر شديدة متتالية، لتحول ذلك الغطاء النباتي الكثيف إلى وقود شديد الاشتعال، كما أوضح جونز.

سيناريوهات سيئة

أكدت السلطات أن إخماد الحرائق الحالية بالكامل قد يستغرق شهوراً، وآثارها ستستمر لفترة طويلة بعد ذلك، حيث يتسبب التلوث الناجم عن حرائق الغابات في أكثر من 100 ألف حالة وفاة سنوياً على مستوى العالم.

كما تلحق هذه الحرائق أضراراً بالاقتصادات، خاصةً أنها تندلع بالقرب من المدن الأوروبية الكبرى، مُؤثرةً على المناطق السكنية والسياحية والزراعية.

ويتوقع العلماء أن تزداد وتيرة الحرائق، في أوروبا كما في غيرها، وأن تشتد حدتها في المستقبل، طالما استمر البشر في حرق الوقود الأحفوري.

يقول ريسكو دي ديوس: «من الصعب التنبؤ بمدى تفاقم الوضع، وسنصبح قريباً غير قادرين على استبعاد سيناريوهات كارثية، مثل أن تبلغ مساحة الحرائق مئات الآلاف من الهكتارات، أو حتى مليون هكتار».

اترك تعليقاً