اقتصاد

التحلية توفر 40% من مياه الشرب… هل نجحت الجزائر في كسب معركة الأمن المائي؟

الجزائر - سبوتنيك عربي, 1920, 30.06.2026

حققت الجزائر تقدمًا لافتًا في تعزيز أمنها المائي، بعد أن أصبحت محطات تحلية مياه البحر توفّر نحو 40 بالمئة من إجمالي المياه المستهلكة على امتداد الجغرافية الجزائرية.

وأكد وزير الري الجزائري لوناس بوزقزة، أن الاستثمارات الضخمة، التي أنجزتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، أسهمت في تحقيق استقرار ملحوظ في قطاع المياه، رغم التحدّيات المناخية وتراجع معدلات الهطول.

ويعكس هذا الرقم التحول الذي انتهجته الجزائر في إدارة مواردها المائية، حيث لم تعد تعتمد بشكل رئيسي على السدود والمياه الجوفية، بل اتجهت إلى تنويع مصادر التموين عبر التوسع في مشاريع تحلية مياه البحر، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على المياه.

وفي السياق، قال الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في حديث لوكالة الأنباء والإذاعة الدولية “سبوتنيك”: “الأمن المائي لم يعد في القرن الحادي والعشرين قضية خدمات عمومية أو تزويد السكان بالمياه فحسب، بل أصبح أحد أهم عناصر الأمن القومي، ومحددًا رئيسيًا لقدرة الدول على تحقيق التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات وضمان الأمن الغذائي”.

وأضاف: “الكثير من التقارير الدولية، ومنها تقارير الأمم المتحدة والبنك الدولي، تعتبر أن الحروب المستقبلية قد تكون مرتبطة بالموارد المائية أكثر من النفط والطاقة”، مؤكدًا أن “الجزائر دخلت مرحلة جديدة عنوانها السيادة المائية، بعد سنوات طويلة كانت فيها الأمطار والسدود المورد الرئيسي للمياه، ولا يتعلق الأمر بإنجاز تقني فقط، بل بتحول اقتصادي وإستراتيجي يعيد رسم مستقبل التنمية الوطنية”.

وأوضح تيغرسي أنه “خلال السنوات الأخيرة، اعتمدت الجزائر برنامجًا استثماريًا ضخمًا لتأمين المياه، تبرز مؤشراته في إنتاج يقارب 40% من مياه الشرب عبر التحلية، فعشرات محطات التحلية موزعة على الساحل الجزائري، وأكثر من 95 % من السكان يستفيدون من خدمات مياه الشرب، دون إهمال مئات السدود ومحطات الضخ وشبكات التحويل عبر مختلف الولايات، ناهيك عن استثمارات بمليارات الدولارات لإنجاز محطات التحلية الجديدة وربطها بشبكات التوزيع”.

وأكد تيغرسي أن “الأمن المائي أصبح شرطًا أساسيًَا لأي اقتصاد منتج، فالمستثمر لا يبحث فقط عن الكهرباء أو العقار الصناعي، بل يبحث كذلك عن توفر المياه بصورة مستقرة، وبالتالي فإن هذا الإنجاز ينعكس مباشرة على تحسين مناخ الاستثمار، رفع الإنتاج الصناعي، ضمان توسع النشاط الفلاحي، تشجيع السياحة، واستقرار المدن الجديدة، تقليص خسائر المؤسسات الناتجة عن انقطاع المياه، كما أنه يسمح بتوجيه المياه الجوفية والسدود نحو الاستخدامات الزراعية والإنتاجية بدلًا من استهلاكها في المياه المنزلية”.

ولفت تيغرسي إلى أن “الجزائر اليوم تعد من أكبر الدول الأفريقية والعربية اعتمادًا على تحلية مياه البحر، ما يمنحها هامشًا أكبر لمواجهة سنوات الجفاف”.

وبحسب تيغرسي، “تعتمد الجزائر على برنامج طموح لتحقيق الاكتفاء الذاتي في الكثير من المنتجات الزراعية، لكن الزراعة الحديثة تحتاج إلى مياه مستقرة، ومع توسع التحلية يمكن تخفيف الضغط على السدود، زيادة المساحات المسقية، تطوير الزراعة الصحراوية، ورفع إنتاج الحبوب والخضر والفواكه، تقليل فاتورة الاستيراد الغذائي، وعليه قد يتحول كل متر مكعب من المياه المنتجة إلى قيمة اقتصادية وفرص عمل وصادرات مستقبلية”.

وبيّن تيغرسي أن “تحلية 40 بالمئة تحمل رسائل إستراتيجية عدة، أبرزها أن الجزائر أصبحت أقل تأثرًا بتقلبات المناخ، وتملك موردًا دائمًا غير مرتبط بالأمطار، وتقترب من بناء نموذج مائي شبيه بما حققته بعض الدول الرائدة في مجال التحلية، ما يعني أنها انتقلت من إدارة الأزمات إلى التخطيط طويل المدى”.

وشدد على أن “المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من إنتاج المياه إلى تعظيم قيمتها الاقتصادية، ومن إدارة الندرة إلى استثمار الوفرة، بما يجعل الأمن المائي ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وترسيخ نموذج تنموي مستدام يواكب تطلعات الجزائر الجديدة في آفاق 2030 و2040”.

اترك تعليقاً