
تكشف الحصيلة الجديدة لضحايا الحرب في إيران عن استمرار ارتفاع أعداد القتلى حتى بعد توقف المرحلة الرئيسة من القتال، في ظل تضارب الإحصاءات الرسمية، وصعوبات التعرف إلى هويات عدد كبير من الضحايا، واستمرار سقوط قتلى في جولات لاحقة من الهجمات، ما يجعل الحصيلة الرسمية البالغة 3519 قتيلاً مرشحة للارتفاع.
أثارت التصريحات الجديدة لرئيس منظمة الطب العدلي الإيرانية بشأن عدد ضحايا الحرب الممتدة 38 يوماً الجدل مجدداً حول حصيلة قتلى الحربين الأخيرتين، وهي أرقام شهدت تعديلات متكررة منذ الأيام الأولى للحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، وصولاً إلى الحرب الأوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ أعلنت مؤسسات ومسؤولون إيرانيون أرقاماً متباينة بشأن عدد الضحايا.
وقال رئيس منظمة الطب العدلي الإيرانية عباس مسجدي آراني، في أحدث تصريحاته، إن 3519 شخصاً قتلوا في الحرب التي يطلق عليها الخطاب الرسمي الإيراني اسم “حرب رمضان“. وأضاف أن من بين الضحايا 3002 رجل و517 امرأة، مشيراً إلى أن 270 من القتلى كانوا من طلاب المدارس، و38 طفلاً دون سن الخامسة، كذلك شملت الحصيلة رضيعاً يبلغ من العمر ثلاثة أيام وجنيناً.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة، لأنها تفوق بعض الإحصاءات الرسمية التي أعلنت خلال الأسابيع الأولى بعد الحرب. فعلى سبيل المثال، كان رئيس منظمة الطب العدلي قد أعلن سابقاً أن عدد القتلى حتى 11 أبريل (نيسان) عام 2026 بلغ 3375 شخصاً، بينهم 2875 رجلاً و496 امرأة، إضافة إلى أربع جثث لم تكن هوياتها قد حددت آنذاك. كذلك أشار في ذلك التقرير إلى أن طهران وهرمزغان وأصفهان كانت المحافظات الثلاث التي سجلت أكبر عدد من الضحايا.
غير أن الجزء الآخر من تصريحات مسجدي قد يكون أكثر دلالة من الرقم النهائي للقتلى، إذ قال إن نحو 40 في المئة من ضحايا “حرب رمضان” والحرب التي استمرت 12 يوماً جرى التعرف إلى هوياتهم باستخدام الفحوص الجينية (الحمض النووي). وأوضح أنه في الحالات التي قتل فيها جميع أفراد الأسرة في هجوم واحد، وتعذر التعرف إلى الجثامين بالوسائل التقليدية، لجأ خبراء الطب العدلي إلى التحاليل الجينية لفصل بقايا الجثامين، وتحديد هويات أصحابها، بل وحتى إثبات صلات القرابة بينهم.
ويعني ذلك أن التعرف إلى هوية نسبة كبيرة من الضحايا لم يكن ممكناً بالطرق التقليدية، وهو ما قد يفسر أحد أسباب التعديل التدريجي في أعداد القتلى بعد انتهاء المراحل الرئيسة من القتال.
من 610 قتلى في حرب الأيام الـ12 إلى تجاوز الحصيلة الرسمية 1000 قتيل
لم يكن التباين والتغيير في أعداد الضحايا ظاهرة جديدة خلال الحرب الأخيرة. ففي أثناء الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو (حزيران) عام 2025، شهدت الإحصاءات الرسمية تعديلات متتالية. وفي اليوم الأخير من الحرب، أعلنت وزارة الصحة الإيرانية مقتل 610 أشخاص. وبعد يوم واحد، ارتفع العدد إلى 627 قتيلاً، في وقت بلغ عدد الجرحى 4870 مصاباً. وفي ذلك الوقت، أشارت الوزارة إلى أن محافظتي طهران وكرمانشاه سجلتا أعلى أعداد القتلى والجرحى، تليهما محافظات الأحواز ولرستان وأصفهان ومركزي وأذربيجان الشرقية وهمدان وزنجان وجيلان. لكن بعد أيام قليلة، نشرت السلطة القضائية حصيلة مختلفة استناداً إلى بيانات الطب العدلي، وأعلن المتحدث باسم السلطة القضائية أصغر جهانغير أنه جرى التعرف إلى 935 جثماناً، بينهم 38 طفلاً وأكثر من 100 امرأة. ويمثل هذا الرقم زيادة تقارب 50 في المئة مقارنة بالحصيلة التي أعلنتها وزارة الصحة مع انتهاء الحرب.
في مرحلة لاحقة، أعلنت الحكومة رقماً جديداً. فقد قالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن إجمالي ضحايا الحرب التي استمرت 12 يوماً بلغ 1062 قتيلاً، بينهم 786 عسكرياً و276 مدنياً. ووفقاً للتفصيل الذي قدمته، ضمت حصيلة المدنيين 102 امرأة و38 طفلاً.
ولا تعني هذه التعديلات بالضرورة أن الإحصاءات السابقة كانت غير صحيحة، إذ يعود جزء من الفوارق إلى اختلاف اختصاصات الجهات المعنية. فوزارة الصحة كانت تعتمد أساساً على بيانات المراكز العلاجية، بينما تعاملت منظمة الطب العدلي مع الجثامين التي نقلت مباشرة من مواقع الهجمات. كما أسهم التعرف إلى بقايا الجثامين، ووفاة بعض الجرحى في الأيام اللاحقة، وتحديد هويات الجثامين المجهولة، في ارتفاع الحصيلة النهائية.
وشهدت الحرب التي استمرت 38 يوماً مساراً مشابهاً. ففي مرحلة سابقة، أعلنت منظمة الطب العدلي أن عدد القتلى بلغ 3375 شخصاً، بينما ارتفع العدد الآن إلى 3519 قتيلاً، أي بزيادة لا تقل عن 144 حالة مقارنة بالإحصاء السابق. كذلك أكد رئيس منظمة الطب العدلي أن ضحايا سقطوا أيضاً خلال الأسابيع التي أعقبت الحرب، نتيجة هجمات أخرى استهدفت محافظات سيستان وبلوشستان، وهرمزغان، وبوشهر.
وتعد حصيلة الأطفال من أبرز الجوانب في هذا الملف. فقد أعلن أمين لجنة حقوق الإنسان التابعة للسلطة القضائية ناصر سراج، في رسالة وجهها إلى منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أن 383 طفلاً قتلوا، فيما أصيب 2115 طفلاً خلال الحرب التي استمرت 38 يوماً. ووفقاً لهذه الإحصاءات، كان سبعة من الضحايا دون سن سنة واحدة، و255 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنة واحدة و12 سنة، و121 مراهقاً تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة.
من مدرسة ميناب إلى ساحة رسالت
تحول الهجوم على مدرسة “شجرة طيبة” في مدينة ميناب إلى أحد أبرز رموز الخسائر المدنية في الحرب التي استمرت 38 يوماً. وأظهرت تقارير لاحقة أن جميع ضحايا هذا الهجوم لم تحدد هوياتهم حتى بعد مرور أشهر على توقف الحرب.
ووثقت منظمات حقوقية هويات 157 ضحية على الأقل في هذا الهجوم، بينهم 123 طفلاً و34 بالغاً. وشملت قائمة البالغين 26 من العاملين في المدرسة وعدداً من أولياء أمور التلاميذ. ومع ذلك، لم تنشر حتى الآن قائمة كاملة بأسماء جميع الضحايا.
وتعد قضية ماكان نصيري، وهو تلميذ في الصف الأول الابتدائي بالمدرسة، مثالاً واضحاً على الصعوبات التي واجهت تحديد هويات الضحايا. فبحسب رئيس السلطة القضائية في محافظة هرمزغان مجتبى قهرماني، لم يعثر على أي أثر لجثمان الطفل حتى بعد مرور أكثر من 100 يوم على الهجوم، على رغم إجراء أكثر من 100 فحص للحمض النووي. وفي نهاية المطاف، أغلق ملفه باعتباره مفقوداً، ولم يعثر له سوى على فردة حذاء وقطعة ملابس انتشلتا من تحت الأنقاض.
وتبرز مثل هذه الحالات أهمية ما أعلنه رئيس منظمة الطب العدلي أخيراً بشأن التعرف إلى هويات نحو 40 في المئة من ضحايا الحربين عبر الفحوص الجينية. ففي الهجمات شديدة التدمير، لا تقتصر المشكلة على عدم التعرف إلى جثمان واحد، بل قد يتطلب الأمر أولاً فصل بقايا الجثامين عن بعضها، ثم تحديد هويات أصحابها من خلال مطابقة عينات الحمض النووي مع أقاربهم. وفي بعض الحالات، كما حدث مع ماكان نصيري، لم تنجح هذه الإجراءات أيضاً في الوصول إلى نتيجة.
وشكلت طهران بدورها إحدى أبرز بؤر الخسائر البشرية في كلتا الحربين. ومن أعنف الهجمات التي شهدتها الحرب الممتدة 38 يوماً ذلك الذي استهدف محيط ساحة رسالت شرق العاصمة طهران، حيث تحدثت التقارير عن مقتل نحو 40 شخصاً على إثر استهداف مجموعة من المباني السكنية. كذلك أظهرت الصور والتقارير المصاحبة لعمليات الإنقاذ حجم الدمار الواسع الذي لحق بالمباني، وعمليات البحث عن ناجين أو ضحايا بين الأنقاض.



