Health

علماء روس يطورون نموذجا لنقل المعلومات الوراثية بشكل آني عبر قناة كمومية داخل الخلية الحية

جينات  - سبوتنيك عربي, 1920, 27.09.2026

طور علماء من جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية والمعهد المشترك للأبحاث النووية نموذجًا نظريًا يصف الظروف التي يمكن في ظلها نقل المعلومات الوراثية بشكل متزامن عبر قناة كمومية داخل الخلية الحية.

يقترح النموذج أن التلامس المباشر بين الحمض النووي (DNA) وجزيء الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) المتشكل حديثاً أثناء عملية النسخ، قد يسمح في ظل ظروف فيزيائية معينة، بتشابك حالاتهما الكمومية، ما قد يقلل من احتمالية حدوث أخطاء في نقل المعلومات.

ماذا يحدث عندما تنسخ الخلية المعلومات الوراثية؟

لإنتاج البروتينات، يتعين على الخلية أولاً نسخ المعلومات المخزنة في الحمض النووي (DNA) إلى جزيء آخر يُعرف باسم الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA).

تبدأ هذه العملية ،المعروفة باسم النسخ (transcription)، عندما يقوم إنزيم “بوليميراز الحمض النووي الريبي” (RNA polymerase) بفتح جزء من البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي (DNA)، ما يكشف عن شريط واحد يعمل كقالب. بعد ذلك، يتم تجميع جزيء mRNA مكمل بناءً على المعلومات الوراثية المشفرة في ذلك الشريط.

تُعد عملية النسخ هذه ضرورية للحياة، لكنها ليست بمنأى تمامًا عن الأخطاء؛ إذ يمكن أن تحدث أخطاء أثناء النسخ، كما أن الحمض النووي نفسه قد يتعرض للتلف.

ووفقاً لـ سيرجي شيرموفسكي، الأستاذ المشارك في قسم الفيزياء العامة والتجريبية بـ معهد التقنيات العالية والمواد المتقدمة في جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية (FEFU)، فإن الأضرار والأخطاء التي تتحول في النهاية إلى طفرات وراثية قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.

ومن الأمثلة على ذلك جين (TP53)، الذي استخدمه الباحثون في نموذجهم؛ إذ يمكن للطفرات التي تصيب هذا الجين أن تعطل إنتاج بروتين (p53)، الذي يلعب دورًا حيويًا في حماية الخلايا من التحول الخبيث.

هل يمكن أن يشكل كل من DNA وmRNA رابطاً كمومياً مباشراً؟

قام باحثون من معهد التقنيات العالية والمواد المتقدمة في جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية ومختبر بيولوجيا الإشعاع في المعهد المشترك للأبحاث النووية بدراسة عملية النسخ، مستخدمين جزءًا من جين (TP53) كنظام نموذجي لأبحاثهم. تشير حساباتهم النظرية إلى أنه في حال انتقال شحنة كهربائية، تنشأ عشوائياً، بين الحمض النووي (DNA) والحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) أثناء عملية النسخ، فقد تنشأ قناة تواصل بين الجزيئين دون الحاجة إلى وسائط كيميائية.

وفي ظل الظروف الموضحة في النموذج، يمكن لهذه القناة أن تتيح نقل المعلومات بشكل متزامن وبأقل احتمال ممكن للخطأ على المستوى الكمي.

ويربط الباحثون هذا الاحتمال بظاهرة التشابك الكمي (quantum entanglement)، وهي ظاهرة يصبح فيها نظامان كميان مترابطين بقوة شديدة لدرجة أنه لم يعد بالإمكان وصف حالة كل منهما بشكل مستقل عن الآخر.

وأوضح شيرموفسكي أن عملية النسخ توفر لحظة مثيرة للاهتمام بشكل خاص لمثل هذا التفاعل؛ نظرًا لأن شريط الحمض النووي (DNA) الأصلي وجزيء الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) المُصنَّع حديثاً يكونان في حالة تلامس وثيق للغاية.

وشرح: “في اللحظة التي يقوم فيها إنزيم “بوليميراز الحمض النووي الريبي” (RNA polymerase) بفك شريطي اللولب المزدوج للحمض النووي (DNA) وفصلهما إلى نصفين، يجري تجميع شريط مكمّل من الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، وهو جزيء “نسخة” يحمل تعليمات تصنيع البروتين على أحد هذين الشريطين ليعمل كقالب، وفي هذه اللحظة تحديداً، يكون كلا الشريطين (الحمض النووي الأصلي وmRNA المُصنَّع حديثاً) في حالة تلامس مباشر، مما يخلق الظروف الملائمة لحدوث تفاعل كمي بينهما”.

ووفقاً للنموذج، فإن إحدى النتائج المحتملة لهذا التفاعل قد تكون حدوث تشابك كمي بين حالات الحمض النووي (DNA) والحمض النووي الريبي المرسال (mRNA).

ماذا يعني التشابك الكمي في هذا السياق؟

استخدم شيرموفسكي زوجًا من العملات المعدنية كمثال توضيحي بسيط. في الظروف العادية، إذا قمنا برمي عملتين معدنيتين بشكل مستقل، فهناك أربعة احتمالات للنتائج: وجهان (صورة وصورة)، أو شعاران (كتابة وكتابة)، أو أي ترتيب يجمع بين وجه وشعار؛ ولكل احتمال منها نسبة احتمالية خاصة به.

أما إذا ربطت بين العملتين “رابطة سحرية” تخيلية تماثل التشابك الكمي، فقد تظل نتائجهما مترابطة حتى لو فصلت بينهما مسافة هائلة؛ بحيث تؤديان ،على سبيل المثال، دائماً إلى نتائج متطابقة أو متكاملة، والهدف من هذا التشبيه هو مجرد توضيح فكرة الحالات الكمية المترابطة.

يُذكر أن التشابك الكمي بحد ذاته ظاهرة فيزيائية راسخة ومثبتة في الأنظمة غير الحية، وقد حصل كل من آلان أسبيه وجون كلاوزر وأنطون زيلينجر على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2022 تقديراً لتجاربهم المتعلقة بحالات التشابك الكمي، وهي أبحاث ساهمت في تطوير تقنيات مثل التشفير الكمي وبروتوكولات النقل الآني للحالات الكمية، وتتمثل الخطوة المثيرة للجدل في هذا العمل الجديد في تطبيق هذا النوع من الاستدلال على نظام بيولوجي معقد.

هل يمكن للحمض النووي أن يؤدي وظائف تتجاوز كونه مجرد أرشيف وراثي؟

هل يمكن للحمض النووي أن يعمل كأكثر من مجرد مستودع للمعلومات الوراثية؟ يطرح الباحثون تفسيراً أوسع نطاقاً في حال أمكن مستقبلاً إثبات حدوث مثل هذا الانتقال للمعلومات الكمومية داخل الحمض النووي.

وقد أشار شيرموفسكي إلى أنه يمكن حينئذٍ النظر إلى الحمض النووي ليس فقط كمخزن للمعلومات الوراثية، بل ربما كنظام لمعالجة المعلومات الكمومية، قادر على دمج المعلومات المرتبطة بعمليات التمثيل الغذائي (الأيض)، والمجالات الخارجية، والأضرار التي تلحق بالخلية.

وفي النموذج الذي اقترحه المؤلفون، يمكن لهذه المعالجة للمعلومات أن تساهم نظرياً في اتخاذ قرارات تؤثر على مصير الخلية؛ سواء بالانقسام، أو التمايز إلى نوع آخر من الخلايا، أو بدء عملية التدمير الذاتي، ويُعد هذا التفسير استنتاجًا نظريًا نابعًا من النموذج المقترح، وليس وظيفة مثبتة تجريبياً للحمض النووي.

الخطوة الحاسمة التالية: الإثبات التجريبي

يؤكد الباحثون أنفسهم على هذا القيد، فقد أشار أليكسي تشيجوف، وهو مؤلف مشارك في الدراسة وباحث رئيسي في مختبر بيولوجيا الإشعاع التابع للمعهد المشترك للأبحاث النووية، إلى أن ظاهرة التشابك الكمومي في نظام (الحمض النووي – الحمض النووي الريبوزي المرسال/mRNA)، وفي الأنظمة البيولوجية الحية بشكل أعم، تظل مجرد تنبؤ نظري.

ويرى تشيجوف أن تأكيد وجود مثل هذا التأثير تجريبياً من شأنه أن يغير بشكل جذري فهم العلماء لآليات انتقال المعلومات في الأنظمة الحية، غير أن إثبات ذلك عملياً لن يكون أمراً بسيطاً.

فالبيئة الجزيئية داخل الخلية الحية تتسم بتعقيد هائل، وأي تجربة تهدف إلى رصد الارتباطات الكمومية بين الحمض النووي و(mRNA) ستتطلب دقة متناهية.

وفي الوقت الراهن، لا تكمن أهمية هذا العمل في إثبات أن الخلايا تستخدم بالفعل الاتصال الكمومي، بل في تحديد الظروف الفيزيائية التي قد تحدث فيها هذه العملية نظرياً، وصياغة فرضية قابلة للاختبار في تجارب مستقبلية.

Leave a Reply