
لم يتبقَّ سوى أسابيع قليلة على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وقد بدأ الرئيس دونالد ترامب بالفعل في وضع أسس قانونية لكيفية التصدي لأي محاولة من جانب المشرعين للتحقيق معه. وفي الوقت الراهن، يسيطر الجمهوريون على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ ومجلس النواب، لكن هذا الوضع قد يتغير في غضون شهر.. في وقت لا يزال فيه احتمال استعادة الديمقراطيين السيطرة على الكونجرس وصلاحيات إصدار مذكرات الاستدعاء أمرًا غير محسوم.
وتكشف مذكرة صادرة عن وزارة العدل الأمريكية، إلى جانب مذكرات قانونية قدمتها إدارة ترامب أمام المحاكم، عن تبني البيت الأبيض موقفًا موسعًا بشأن “الامتياز التنفيذي”؛ إذ يتجاوز هذا الموقف حماية الاتصالات بين الرئيس ومستشاريه داخل الإدارة، ليمتد إلى إمكانية حماية محادثاته وتعاملاته مع أشخاص من خارج الحكومة.
وفي هذا السياق، يرى خبراء قانونيون أن هذه المواقف تتخطى الحدود التي أرستها السوابق القضائية، محذرين من أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى توسيع نطاق السرية الرئاسية بصورة غير مسبوقة، وفقًا لما أوردته شبكة “سي إن إن” الأمريكية.
مستشارون من الخارج
وتأتي هذه المواقف في ظل اعتماد ترامب، خلال ولايته الرئاسية الثانية، على شبكة من رجال الأعمال والمحامين من خارج الحكومة وأصدقاء قدامى للمساعدة في صياغة وتنفيذ أجندته السياسية.
وقال رئيس قسم التحقيقات في الكونجرس لدى مكتب “كرويل آند مورينج” للمحاماة، جيمي بير، إن “كان هناك قدر غير مسبوق من التفاعل بين السلطة التنفيذية، لا سيّما البيت الأبيض، والقطاع الخاص، وأوضح الكونجرس أن هذه العلاقات ستكون موضع رقابة وتحقيق”.
وبدأ الديمقراطيون بالفعل في الكونجرس التحقيق في علاقات إدارة ترامب بالاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، وتأثير صلات الرئيس بصناعة العملات المشفرة على السياسات الفيدرالية، بجانب تحركات تجارية لعائلة ترامب يرون أنها قد تكون مرتبطة بسياسات حكومية.
كما يراقب الديمقراطيون في الكونجرس عن كثب الحجج القانونية لإدارة ترامب، إذ يخططون لمختلف الأدوات التي ستكون تحت تصرفهم للرد. وقال مساعد كبير في مجلس النواب، تحدث لـلصحيفة الأمريكية، شريطة عدم الكشف عن اسمه، إن “هناك عواقب جانبية للتعرض للازدراء، ورفض تقديم الوثائق، والوقوف وراء ادعاءات غير قانونية بشكل صارخ بشأن الامتياز التنفيذي”.
حماية الأسماء
ولا تقتصر مطالب الإدارة على إبقاء المحادثات سرية؛ إذ ذهبت في قضية رفعتها نقابة المحامين الأمريكية إلى أبعد من ذلك، عندما دفعت أمام المحكمة بأن الامتياز التنفيذي يمكن أن يحمي هويات الأشخاص الذين قدموا المشورة لترامب بشأن حملته ضد مكاتب المحاماة.
وتبرر الإدارة موقفها بأن الكشف عن أسماء هؤلاء المستشارين قد يثني آخرين عن تقديم مشورة صريحة للرئيس الأمريكي، ويجعل من الصعب عليه الحصول على آراء صريحة واستكشاف البدائل السياسية.
اختبار قضائي
ومن المنتظر أن يخضع موقف الإدارة بشأن حماية اتصالات ترامب مع مستشارين من خارج الحكومة لاختبار قضائي في قضية تتعلق بمذكرة استدعاء موجهة إلى المستشار القانوني لترامب، بوريس إبشتيين، الذي لا يشغل منصبًا حكوميًا.
ويرى خبراء أن حتى رفض المحاكم لمطالب الإدارة قد يمنح هؤلاء المستشارين ورقة تفاوضية في مواجهة الكونجرس، وقد يؤدي إلى إطالة أمد المعارك القانونية لأشهر أو سنوات.
وقال رئيس ممارسة التحقيقات في الكونجرس لدى مكتب “جيبسون دن”، مايكل بوب، إن الكونجرس قد يجد أدوات محدودة لإجبار الإدارة على تقديم المعلومات، ما لم يلجأ إلى القضاء.
قانون السجلات الرئاسية
وتخوض إدارة ترامب معركة قانونية أخرى بشأن “قانون السجلات الرئاسية”، الذي يلزم البيت الأبيض بالحفاظ على السجلات الرسمية وتسليمها إلى الأرشيف الوطني عند انتهاء ولاية الرئيس.
وفي مذكرة أصدرتها وزارة العدل، أبريل الماضي، خلص مكتب المستشار القانوني بالوزارة إلى أن القانون غير دستوري، وأن ترامب لم يعد ملزمًا بالامتثال له.
وتثير هذه الحجة مخاوف الديمقراطيين من إمكان استخدامها لتبرير حذف اتصالات أُرسلت عبر تطبيقات مراسلة غير حكومية، خاصة بعد تعديل البيت الأبيض سياسة الاحتفاظ بالوثائق بما يمنح الموظفين مساحة أكبر لحذف بعض الرسائل النصية.
وفي المقابل، رفض قاضٍ فيدرالي حجة الإدارة بشأن عدم دستورية القانون، بينما تنظر محكمة استئناف في القضية، ومن المقرر عقد مرافعات شفوية، أكتوبر المقبل.
ويرى منتقدو موقف وزارة العدل -بمن فيهم أكثر من 100 مشرع ديمقراطي- أن إلغاء الالتزام بحفظ السجلات قد يحرم الكونجرس والجمهور، بل والرؤساء المستقبليين، من الوثائق التي تكشف كيفية اتخاذ القرارات داخل البيت الأبيض، محذرين من أن تدمير السجلات الرسمية قد يحول دون التحقق لاحقًا من الوقائع التي جرت خلف الكواليس.


