اقتصاد

صندوق النقد: الشرق الأوسط أمام انكماش في 2026.. والتعافي مشروط

النقد الدولي: اقتصاد الشرق الأوسط أمام انكماش في 2026 وتعافٍ مشروط في 2027

يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان بنحو 1.3% في عام 2026، قبل أن يرتد النمو إلى 6.6% في 2027، في تعافٍ مشروط بانحسار الحرب في الشرق الأوسط وعودة حركة التجارة وإنتاج الطاقة إلى طبيعتهما تدريجياً.

وتعكس التوقعات الواردة في تقرير الصندوق الإقليمي لشهر أكتوبر 2026، بعنوان «التعامل مع عدم اليقين: تعزيز القدرة على الصمود في أوقات صعبة»، الأثر الاقتصادي المتباين للصراع، الذي امتدت تداعياته إلى إنتاج الطاقة والشحن والسياحة والتجارة وثقة المستثمرين والمستهلكين.

ويأتي التوقع بانكماش اقتصاد المنطقة في 2026 أقل بنحو 2.7 نقطة مئوية من تقديرات أبريل الماضي، في انعكاس لطول أمد الصراع مقارنة بالتوقعات السابقة. ورغم التعافي القوي المنتظر في العام التالي، يحذّر الصندوق من أن عودة النمو لن تعني بالضرورة استعادة الاقتصادات المتضررة مستويات الإنتاج التي كانت متوقعة قبل الحرب على المدى المتوسط.

الدول المستوردة للنفط أكثر قدرة على امتصاص الصدمة

أظهرت اقتصادات المنطقة المستوردة للنفط قدرة أكبر على التكيف مع تداعيات الحرب، بدعم من قوة الطلب المحلي، واستمرار تدفقات تحويلات العاملين في الخارج والسياحة، إلى جانب الأوضاع المالية المواتية والتدخلات الحكومية التي ساعدت في الحد من انتقال ارتفاع أسعار السلع إلى المستهلكين.

ويتوقع الصندوق أن يتسارع النمو في اقتصادات المنطقة المستوردة للنفط خلال 2026 و2027، مع انحسار الضغوط التضخمية تدريجياً وتراجع أثر الصدمة التي رفعت تكلفة الواردات مقارنة بالصادرات.

غير أن هذه المرونة لا تعني غياب المخاطر، إذ قد يؤدي استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والغذاء إلى زيادة الضغوط على المستهلكين والشركات، كما قد تتطلب حماية الفئات الأكثر تضرراً إنفاقاً حكومياً إضافياً في وقت تتراجع فيه الهوامش المالية المتاحة لدى عدد من الدول.

وتبرز أهمية هذا التباين في أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على فاتورة الواردات في الدول المستوردة للنفط، بينما تتعرض الدول المنتجة المتضررة مباشرة لخسائر في الإنتاج والصادرات. وبذلك، لا تتحدد التداعيات الاقتصادية للأزمة بأسعار النفط وحدها، بل أيضاً بقدرة كل دولة على الإنتاج والتصدير وتمويل احتياجاتها وتخفيف انتقال الصدمة إلى الاقتصاد المحلي.

ضعف طول معظم الاقتصادات في الشرق الأوسط

على صعيد المؤشرات الخارجية، توقع الصندوق تراجع فائض الحساب الجاري لدول مجلس التعاون الخليجي إلى 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مقارنة بنحو 5% في 2025، في مؤشر على الضغوط التي تواجه المراكز الخارجية للمنطقة.

كما أشار إلى أن الأوضاع الخارجية تتجه إلى الضعف في معظم اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، وكذلك القوقاز وآسيا الوسطى.

وتعكس هذه التطورات أهمية التمييز بين الإيرادات الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وبين الأثر الإجمالي للاضطرابات على الاقتصادات. فتعطل الإنتاج والتجارة يمكن أن يحد من عائدات التصدير، ويرفع تكاليف الاستيراد والشحن والتأمين، ويضغط على الحسابات الخارجية حتى في بيئة تتسم بارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية.

وفي الوقت نفسه، توقع الصندوق ارتفاع التضخم في اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان خلال 2026، مقابل استمرار تراجعه في القوقاز وآسيا الوسطى. وأسهمت الإعانات والقيود على الأسعار وأسعار الصرف الثابتة في الحد من انتقال ارتفاع تكاليف السلع إلى المستهلكين في بعض الدول، لكن ذلك جاء بتكلفة مالية على الحكومات.

القوقاز وآسيا الوسطى يحافظان على نمو قوي

بعيداً عن الاقتصادات الأكثر تعرضاً للاضطرابات، أظهرت منطقة القوقاز وآسيا الوسطى قدرة نسبية على الصمود، مدعومة باستمرار تدفقات التحويلات المالية وعدم تأثرها الكبير بالصراع حتى الآن.

ويتوقع الصندوق نمو اقتصادات المنطقة بنسبة 5.2% في 2026 و5% في 2027، مع اتجاه النمو إلى وتيرة أكثر استدامة، واستمرار تراجع التضخم.

وجاءت التوقعات المعدّلة بالزيادة منذ أبريل نتيجة تحسن آفاق بعض الدول المستوردة للنفط، بما عوض جزئياً ضعف التوقعات لبعض الدول المصدرة له خلال 2026.

ومع ذلك، تواجه المنطقة مخاطر إضافية مرتبطة باحتمال تجدد الاضطرابات الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية وتشديد العقوبات، بما قد يؤثر في التجارة والمدفوعات العابرة للحدود والطلب الخارجي والتحويلات المالية. كما قد يؤدي انخفاض أسعار النفط أو تراجع الطلب العالمي إلى زيادة الضغوط على بعض اقتصاداتها.

اضطرابات التجارة والطاقة تهدد توقعات التعافي

حذّر الصندوق من أن المخاطر المحيطة بالتوقعات لا تزال تميل بقوة إلى الجانب السلبي، في ظل عدم اليقين الاستثنائي بشأن مسار الصراع وتداعياته الاقتصادية.

ويتمثل الخطر الرئيسي في استمرار تعطل إنتاج الطاقة أو طرق التجارة، بما قد يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع ويضعف النشاط الاقتصادي ويزيد الضغوط التضخمية. كما أن تشدد الأوضاع المالية العالمية وارتفاع أسعار الفائدة قد يرفعان تكاليف الاقتراض ويضعفان الطلب العالمي، مع احتمال تعرض الدول المصدرة للنفط لضغوط إضافية إذا تراجع الطلب الخارجي وأسعار الخام.

وأشار التقرير أيضاً إلى أن إعادة تقييم الأسواق للمكاسب الإنتاجية المتوقعة من الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى تشدد الأوضاع المالية، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن التضخم والأوضاع المالية العامة.

وتواجه الدول منخفضة الدخل والهشة مخاطر أكبر، بسبب اعتمادها المرتفع على واردات الغذاء واحتياجاتها التمويلية الكبيرة وتراجع المساعدات الإنمائية الرسمية، وهي عوامل تحد من قدرتها على امتصاص صدمات إضافية.

الصندوق يدعو إلى دعم موجه وإعادة بناء الاحتياطيات

في مواجهة هذه المخاطر، دعا صندوق النقد الدولي صناع السياسات إلى إعطاء الأولوية لاستقرار الأسعار مع الحفاظ على استدامة المالية العامة، مشدداً على أن السياسة النقدية يجب أن تكون خط الدفاع الأول إذا تحققت مخاطر التضخم.

كما أوصى بتجنب التوسع المالي واسع النطاق في الدول التي تعاني محدودية الحيز المالي، لما قد يسببه من زيادة الدين دون تحقيق تحسن مستدام في النشاط الاقتصادي. وبدلاً من ذلك، ينبغي توجيه الدعم بصورة مؤقتة إلى الأسر والشركات الأكثر تضرراً، مع تجنب الإعانات الشاملة التي ترفع التكلفة على الموازنات العامة.

وشدد التقرير على ضرورة إعادة بناء الهوامش المالية والاحتياطيات، وتعزيز الإيرادات المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتطبيق أطر مالية موثوقة تتيح للحكومات مساحة أكبر للتحرك إذا تفاقمت المخاطر.

وفي القوقاز وآسيا الوسطى، أكد الصندوق أهمية ترسيخ مكاسب خفض التضخم وتعزيز استقلالية البنوك المركزية، بما يساعد على تثبيت توقعات الأسعار والحد من أثر صدمات العرض المستقبلية.

تنويع التجارة والذكاء الاصطناعي فرص لتعزيز المرونة

على المدى الطويل، دعا الصندوق دول المنطقة إلى تحويل الاضطرابات الحالية إلى فرصة لتسريع الإصلاحات الهيكلية، ورفع الإنتاجية، وخلق الوظائف، وتنويع الأنشطة الاقتصادية والتجارة، وتعميق التكامل الإقليمي.

ويكتسب تنويع التجارة أهمية خاصة في منطقة تعتمد اقتصادات عديدة فيها على مجموعة محدودة من السلع والأسواق، كما تتعرض أجزاء منها لمخاطر تعطل النقل البحري. ومن شأن توسيع قاعدة الصادرات وتحسين بيئة الأعمال وزيادة المنافسة أن يقلل أثر الصدمات الخارجية ويعزز قدرة الاقتصادات على التكيف.

كما يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لزيادة الإنتاجية ودعم التنويع الاقتصادي والنمو على المدى المتوسط، شريطة أن تترافق الاستثمارات التكنولوجية مع إصلاحات تعزز التنافسية وتدعم الاستفادة من التحول الرقمي.

وتخلص رسالة التقرير إلى أن التعافي المتوقع في 2027 يظل مشروطاً بتراجع الحرب واستعادة حركة التجارة والطاقة، فيما ستعتمد قدرة الاقتصادات على تجاوز الأزمة على مدى حفاظها على الاستقرار المالي والنقدي، وإعادة بناء هوامش الأمان، وتنويع مصادر النمو لتقليل الاعتماد على القطاعات والأسواق الأكثر تعرضاً للصدمات.

اترك تعليقاً