
الاتحاد الأوروبي يدرس تجميع الطلب على الغاز الأميركي لتلبية صفقة الـ750 مليار دولار (شترستوك)
بعد أربعة أشهر من الاضطرابات التي هزّت مضيق هرمز أكبر ممر للطاقة في العالم، يبدو أن النفط والغاز يسلكان مسارين مختلفين.
فبينما تميل المخاطر في سوق النفط تدريجياً نحو الهبوط مع عودة الإمدادات، تزداد المخاطر الصعودية في سوق الغاز الأوروبية، لتصبح أوروبا أمام شتاء قد يكون الأصعب منذ أزمة الطاقة عام 2022.
الغاز الأوروبي الأكثر تأثراً
تقول شركة «ICIS: Independent Commodity Intelligence Services» لتحليلات الطاقة إن سوق الغاز الأوروبية كانت الأكثر حساسية للصراع مقارنة بسوق النفط، حيث ارتفعت التقلبات اليومية في مؤشر الغاز الهولندي TTF إلى نحو 7% خلال الأزمة، مقارنة بـ3.2% قبل اندلاع الحرب، بينما خام برنت، فقد ارتفعت تقلباته من 1.8% إلى 4.4% فقط.
وأضافت ICIS أن هذا الفارق يعكس حقيقة أساسية، وهي أن سوق النفط أكثر تنوعاً ومرونة، ويتمتع بسيولة أعمق ومصادر إمداد أكثر تنوعاً، بينما يعتمد الغاز الأوروبي بصورة أكبر على تدفقات الغاز الطبيعي المسال وعلى المنافسة مع آسيا للحصول على الشحنات المتاحة.
وبحسب ICIS، أصبح مؤشر TTF أكثر ارتباطاً بخام برنت خلال الأزمة، لكنه أظهر استجابة أسرع وأقوى للصدمات الجيوسياسية.
أوروبا تدخل الصيف بمخزونات منخفضة
وترى تحليلات الطاقة أن أوروبت تواجه معضلة حقيقية قبل الشتاء المقبل، فقد بلغت مستويات التخزين الأوروبية نحو 46% فقط في بداية الأسبوع السادس والعشرين من العام، وهو أدنى مستوى منذ عام 2021، وأقل بعشر نقاط مئوية كاملة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، كما تفرض اللوائح الأوروبية الوصول بالمخزونات إلى ما لا يقل عن 80% خلال الفترة بين الأول من أكتوبر والأول من ديسمبر، لكن إذا استمرت وتيرة الحقن الحالية، فإن المخزونات الأوروبية قد لا تتجاوز 70% بحلول بداية نوفمبر، وهو مستوى يقل كثيرا عن السنوات السابقة.
وتشير التقديرات إلى أن أوروبا ستحتاج إلى نحو 150 شحنة إضافية من الغاز الطبيعي المسال قبل الشتاء، بما يعادل أكثر من شحنة يوميا حتى نوفمبر، ويعني ذلك أن القارة الأوروبية ستحتاج إلى جذب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال في وقت تزداد فيه المنافسة العالمية على الإمدادات.
آسيا تهدد خطط أوروبا
حذّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من احتمال يصل إلى 90% لتطور ظاهرة «إل نينيو» خلال الصيف، وهي ظاهرة تؤدي عادة إلى ارتفاع درجات الحرارة في آسيا وزيادة استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد.
وتتوقع ICIS ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي المسال في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين، بالإضافة إلى تايوان، لكن في الوقت نفسه، لا تزال الأسعار الآسيوية أعلى من نظيرتها الأوروبية، ما يجعل توجيه الشحنات الأميركية إلى آسيا أكثر ربحية، وهو ما يعني أن أوروبا قد تضطر إلى دفع أسعار أعلى بكثير للحصول على الغاز الذي تحتاجه لملء مخزوناتها.
عجز عالمي في سوق الغاز المسال
وتشير بيانات ICIS LNG Foresight إلى أن سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي يعاني بالفعل عجزاً يبلغ نحو 1.6 مليون طن خلال شهري يونيو ويوليو، ويعني ذلك أن أوروبا ستواجه صعوبة متزايدة في جذب الشحنات المرنة ما لم ترتفع الأسعار الأوروبية بصورة أكبر، كما أن أي اضطرابات جديدة مثل استمرار انخفاض الصادرات القطرية أو حدوث أعطال في منشآت التسييل، قد تدفع الأسعار إلى موجة صعود جديدة.
وتنتج قطر والإمارات معاً نحو 85 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويا، أو نحو 7 ملايين طن شهرياً، وهذا يعني أن كل شهر يبقى فيه المضيق مغلقاً يؤدي إلى فقدان ما يقرب من 7 ملايين طن من الإمدادات، وفقاً ما تقوله لشركة «ICIS: Independent Commodity Intelligence Services».
ولهذا السبب ترى ICIS أن سوق الغاز الأوروبية تبقى السوق الأكثر عرضة لارتفاع الأسعار خلال الأشهر المقبلة.
معركة جديدة بين النفط والغاز
وترى ICIS أن المخاطر النسبية أصبحت تميل بوضوح لصالح الغاز مقارنة بالنفط، حيث إنه في الوقت الذي لا يزال فيه النفط يواجه مزيجاً من العوامل الصعودية والهبوطية، تبدو سوق الغاز الأوروبية أكثر عرضة لصدمات جديدة، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها انخفاض مستويات التخزين الأوروبية والحاجة الملحة إلى إعادة ملء المخزونات قبل الشتاء، والمنافسة الآسيوية المتزايدة على الغاز الطبيعي المسال، بالإضافة إلى حساسية سوق TTF الأكبر تجاه المخاطر الجيوسياسية واستمرار ضعف الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال.
نهاية الأزمة لم تأتِ بعد
ورغم أن إعادة فتح مضيق هرمز أنهت أسوأ السيناريوهات التي كانت تخشاها الأسواق، فإنها لم تنهِ أزمة الطاقة العالمية، حيث ترى ICIS أن الأسواق انتقلت من مرحلة الخوف من فقدان الإمدادات إلى مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء المخزونات وتأمين الإمدادات المستقبلية، حيث تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع العوامل الأساسية، يبدو أن التقلبات ستظل السمة الرئيسية خلال ما تبقى من العام.
المصدر: سي. إن. إن



