
تحمل أدوات التحكم في الفائدة أخطار تغذية التضخم وتقليل قيمة العملة (أ ف ب)
يؤثر ضعف سوق السندات وارتفاع العوائد سلباً في القدرة الاقتراضية للأميركيين، إذ تواصل أسعار الفائدة المرتبطة بسوق السندات، بما في ذلك قروض الرهن العقاري وقروض السيارات الارتفاع الحاد
تواجه الحكومة الأميركية خيارات مالية معقدة ومحدودة لكبح ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، مع وصول فاتورة الفوائد السنوية إلى نحو تريليون دولار على ديون تتجاوز 40 تريليون دولار. وتعود هذه الارتفاعات المستمرة إلى حاجة واشنطن لبيع كميات هائلة من أدوات الدين لتغطية العجز المالي، تزامناً مع البطء في تباطؤ التضخم وقوة نمو الاقتصاد المدعوم بطفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.
في الوقت الحالي، تعتمد وزارة الخزانة الأميركية، على حلول تدريجية للسيطرة على كلف الاقتراض، تتركز في التوسع بزيادة إصدار السندات قصيرة الأجل وتنفيذ عمليات إعادة شراء محدودة للديون القديمة لدعم سيولة السوق.
ويرى محللون أن هذه الأدوات المباشرة تبقى ذات أثر محدود في خفض أسعار الفائدة ما لم يتدخل مجلس “الاحتياط الفيدرالي” بصورة مباشرة لدعم أدوات الدين، بخاصة مع استنزاف خدمة الدين لنحو 20 في المئة من الإيرادات الضريبية.
ويتضمن التصعيد المالي في الحالات الأشد تعقيداً لجوء “الفيدرالي” إلى إعادة إحياء عملية “تويست”، والتي تعتمد على بيع الديون قصيرة الأجل وشراء السندات طويلة الأجل لتسطيح منحنى العائد وتحجم الارتفاعات.
أما الخيار الأكثر راديكالية فيتمثل في تطبيق سياسة التحكم في منحنى العائد عبر وضع سقف صريح للفوائد وتعهد شراء كميات غير محدودة من السندات، وهو إجراء لم يطبق في الولايات المتحدة منذ حقبة الحرب العالمية الثانية.
وتحمل أدوات التحكم في الفائدة أخطار تغذية التضخم وتقليل قيمة العملة، ما يعيد الاقتصاد الأميركي إلى مفترق طرق بين مسارين تاريخيين لتقليص نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويتمثل المسار الأول في الانضباط المالي وخفض الإنفاق عبر سياسات التقشف، بينما يتلخص المسار الثاني في الكبت المالي والتضخم الذي يرفع العوائد ويؤثر سلباً في حاملي السندات والقدرة الشرائية.
أعلى مستوى لعائد السندات منذ فقاعة الـ”دوت كوم”
في الوقت الحالي تشهد سوق السندات موجة بيع متواصلة لا تهدأ. وفي أحدث مؤشر مثير للقلق لسندات الخزانة الأميركية، سجل العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له منذ انهيار فقاعة الـ”دوت كوم”.
وتظل السندات الحكومية الأميركية هي السوق المالية الأهم في العالم، وتعد على نطاق واسع الملاذ الأكثر أماناً للمستثمرين لحفظ أموالهم، إذ يلجأ المتداولون عادة إلى سوق السندات الأميركية بحثاً عن الأمان في الأوقات العصيبة.
لكن المشهد الحالي مختلف تماماً، بل إن ما يحدث هو النقيض لذلك. وتتعدد أسباب هذا التراجع الحاد في سوق السندات، وهي أسباب تبدو (من بعض النواحي) مخالفة للمنطق المعتاد: فالاقتصاد الأميركي قوي (وربما قوي أكثر مما ينبغي) مدعوماً بإنفاق هائل في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أن معدلات التضخم مرتفعة للغاية مدفوعة بارتفاع كلف الوقود، ومن المرجح أن يسعى “الاحتياط الفيدرالي” مجدداً إلى كبح جماح كل هذه الأوضاع.
ويؤثر ضعف سوق السندات وارتفاع العوائد سلباً في القدرة الاقتراضية للأميركيين، إذ تواصل أسعار الفائدة المرتبطة بسوق السندات (بما في ذلك قروض الرهن العقاري وقروض السيارات) الارتفاع الحاد.
وقد تجاوز سعر الفائدة على القروض السكنية لأجل 30 عاماً حاجز سبعة في المئة خلال الأسبوع الماضي، وذلك للمرة الأولى منذ أوائل عام 2025.
في غضون ذلك، يواصل المستثمرون الخروج من سوق السندات، حيث يبيعون ما بحوزتهم منها ويطالبون بعوائد أعلى في المزادات الحكومية، وذلك في ظل استمرار ارتفاع معدلات التضخم، إذ تؤدي الأسعار المرتفعة إلى تآكل قيمة الاستثمارات بمرور الوقت، ويسعى حاملو السندات لضمان تعويضهم عن تأثيرات ارتفاع أسعار البنزين والديزل في استثماراتهم.
وقد أدى هذا الوضع إلى دفع العوائد نحو مستويات قياسية متزايدة، متجاوزة بذلك حواجز لم تشهدها الأسواق منذ عقود. وقبل أيام، وصل العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 5.34 في المئة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ عام 2002، وسجل العائد على سندات الخزانة لأجل 30 عاماً أعلى مستوى له منذ 24 عاماً، إذ ارتفع ليصل إلى 5.69 في المئة.
توقعات بارتفاع قياسي للفائدة في جميع أنحاء العالم
في مذكرة بحثية حديثة قال المتخصص الاستراتيجي في بنك الاستثمار “ساكسو” نيل ويلسون “تشهد سوق السندات حالاً من الاضطراب الشديد، إذ يكمن القلق في أن النمو الأميركي أقوى بكثير مما كان متوقعاً”.
وشهدت عوائد سندات الخزانة تراجعاً الخميس، إذ أنهى العائد على السندات لأجل 10 سنوات اليوم عند مستوى 5.24 في المئة، وهو ما يظل أعلى مستوى له منذ عام 2007. ويتوقع المحللون أن تظل العوائد مرتفعة، حيث تواصل البيانات الحكومية الأميركية إظهار مؤشرات إلى اقتصاد قوي ونشط، وربما اقتصاد يعاني حال “احتدام” (نمو مفرط).
وقبل أيام، صدر تقرير أظهر نمواً في الناتج المحلي الإجمال (المقياس الأوسع للنشاط الاقتصادي الأميركي) يفوق التوقعات، إلى جانب تقرير عن التضخم أظهر ارتفاع الأسعار بمعدلات تتجاوز بكثير المستهدف الذي حدده “الاحتياط الفيدرالي”. وتدفع تحركات بعض حائزي السندات العوائد نحو الارتفاع، وذلك ترقباً لاستمرار “الاحتياط الفيدرالي” في رفع سعر الفائدة القياسي، بعدما كان رفعه الشهر الماضي للمرة الأولى منذ عام 2023.
علاوة على ذلك، بات الإنفاق السنوي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يقاس بتريليونات الدولارات، ومن المتوقع أن يواصل نموه على رغم استمرار ارتفاع أسعار الفائدة على مدار العقد الحالي وما بعده.
وألقت المخاوف المتعلقة بالديون بظلالها على سوق السندات، إذ يضع الإنفاق الحكومي الهائل (الذي تقف وراءه كلتا القوتين السياسيتين) البلاد على مسار مالي غير مستدام.
ولا تقتصر مشكلات سوق السندات على الولايات المتحدة فحسب، فقد أدت المخاوف في شأن الديون وعودة التضخم للارتفاع نتيجة لزيادة أسعار النفط والوقود إلى صعود معدلات الفائدة في جميع أنحاء العالم.
ونهاية الأسبوع الماضي، لامس العائد على السندات الحكومية البريطانية لأجل 30 عاماً حاجز الستة في المئة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1998، في حين ارتفع العائد على السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ليصل إلى 4.95 في المئة، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ عام 2002.



