اقتصاد

الفيدرالي يبعث رسالة للأسواق بشأن مستقبل سعر الفائدة

الفيدرالي يبعث رسالة للأسواق بشأن مستقبل سعر الفائدة

يراهن رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، جون ويليامز، على أن تباطؤ أسعار الطاقة وتلاشي التأثير الأولي للرسوم الجمركية سيعيدان التضخم الأميركي إلى مسار هبوطي خلال النصف الثاني من 2026، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام رفع أسعار الفائدة إذا أخفقت ضغوط الأسعار في التراجع نحو هدف البنك المركزي البالغ 2%.

وقال ويليامز، إن السياسة النقدية الحالية «في وضع جيد» لتحقيق استقرار الأسعار، مؤكداً تأييده القوي لقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي إبقاء نطاق الفائدة عند 3.50% إلى 3.75%، لكنه شدد على أن البنك لن يتردد في التحرك إذا أظهرت البيانات أن التضخم لا يسير نحو الهدف بصورة مستدامة، وفق ما نقلته عنه رويترز.

وتحمل تصريحات ويليامز وزناً خاصاً داخل البنك المركزي، إذ يشغل منصب نائب رئيس اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة ويتمتع بحق تصويت دائم على قراراتها.

رهان على انحسار صدمات العرض

يستند السيناريو الأساسي لدى ويليامز إلى أن العوامل التي غذت التضخم خلال الأشهر الـ18 الماضية، وفي مقدمتها ارتفاع الطاقة والرسوم التجارية واضطرابات الإمدادات، ستفقد جانباً من قوتها إذا بلغت الأسعار ذروتها وظل الاقتصاد متماسكاً.

ويتوقع ويليامز تراجع التضخم في النصف الثاني من العام، ثم انخفاضه بدرجة أكبر في 2027، وصولاً إلى عودة مستدامة نحو 2% بحلول 2028.

ويضيف أن مراقبته ستتركز خلال الأشهر المقبلة على بيانات التضخم الأساسي، لأنها تستبعد تقلبات الغذاء والطاقة وتوفر قراءة أوضح لاتجاه الضغوط السعرية.

وحسب خبراء الاقتصاد، لا تزال نقطة البدالة مقلقة؛ فقد ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يعتمده الاحتياطي الفيدرالي مقياساً رسمياً، بنسبة 3.7% على أساس سنوي في يونيو حزيران، ليظل أعلى بكثير من الهدف الذي لم يستقر عنده أو دونه منذ أكثر من خمس سنوات.

انقسام داخل الاحتياطي الفيدرالي

أبقى البنك المركزي الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، لكن القرار كشف عن انقسام متزايد بعدما طالب ثلاثة مسؤولين برفع تكلفة الاقتراض فوراً.

وقالت رئيسة احتياطي كليفلاند بيث هاماك إنها غير واثقة من أن التضخم سيعود تلقائياً إلى 2%، بينما اعتبرت رئيسة احتياطي دالاس لوري لوغان أن الضغوط السعرية قد تظل أعلى من الهدف ما لم تُفرض قيود نقدية إضافية، حسب ما نقلته وول ستريت جورنال.

ويضع ذلك ويليامز في موقع أكثر حذراً من صقور اللجنة، دون أن يجعله متساهلاً تجاه التضخم؛ فرهانه ليس أن ارتفاع الأسعار انتهى بالفعل، بل أن السياسة الحالية تمنح البنك وقتاً لتحديد ما إذا كانت الصدمات مؤقتة قبل اللجوء إلى تشديد جديد قد يضغط على النمو وسوق العمل.

السندات تشكك في السيناريو المتفائل

وفيما يتعلق بأسواق الدين، فهي لا تشارك ويليامز القدر نفسه من التفاؤل؛ فقد ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.24%، وهو أعلى مستوى منذ 2007، وسط مخاوف من أن يؤدي اجتماع أسعار الطاقة المرتفعة مع الرسوم الجمركية وقوة الطلب المحلي إلى ترسيخ التضخم، وفق فايننشال تايمز.

ورفعت أسواق العقود الآجلة تقديراتها لاحتمال زيادة الفائدة قبل نهاية العام، لكن ويليامز رفض فكرة أن يكون الاحتياطي الفيدرالي ملزماً باتباع تسعير الأسواق، موضحاً أن اللجنة تراقب الأوضاع المالية، لكنها تبني قراراتها على تقييمها المستقل للبيانات والمخاطر.

وتزداد صعوبة قراءة اتجاه البنك المركزي في عهد رئيسه الجديد كيفن وارش، الذي قلّص الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» وفضّل إبقاء الخيارات مفتوحة أمام صناع السياسة.

وذكرت ذا غارديان أن وارش بدأ مراجعة أوسع لأساليب التواصل وإطار التضخم والميزانية العمومية وتأثير الذكاء الاصطناعي في قرارات السياسة النقدية.

الطاقة والشرق الأوسط أكبر مصادر الخطر

يظل المسار المتوقع لأسعار الطاقة رهناً بتطورات الصراع في الشرق الأوسط وحركة الشحن.

ويرى ويليامز أن عودة الملاحة بصورة طبيعية بعد التوصل إلى تسوية قد تؤدي إلى تحسن سريع في الإمدادات والأسعار، لكنه أقر بأن توقيت ذلك غير مؤكد.

وفي السيناريو الأساسي، لا يتوقع أن يتحول الصراع إلى مصدر دائم للتضخم خلال النصف الثاني من 2026 أو العام المقبل، إلا أن تجدد الاضطرابات أو استمرار تعطل طرق تصدير النفط قد يقلب هذه الفرضية ويدفع البنك إلى التحرك.

طفرة الذكاء الاصطناعي تدعم النمو وتربك السياسة

تأتي الضغوط أيضاً من جانب الطلب، إذ يغذي الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الرقمية الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

وأظهرت بيانات الناتج المحلي أن استثمارات الشركات في المعدات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قفزت 15.2% في الربع الثاني، وفق رويترز.

وحذّر اقتصاديون في بنك التسويات الدولية من أن طفرة الذكاء الاصطناعي تجعل قراءة الاقتصاد أكثر تعقيداً؛ فالإنفاق الرأسمالي والأسعار المرتفعة للأصول يمكن أن يعززا الطلب والتضخم على المدى القصير، بينما قد تخفض مكاسب الإنتاجية الأسعار لاحقاً، حسب فايننشال تايمز.

مع ذلك، قلل ويليامز من مخاطر تحول الطفرة إلى أزمة مالية شبيهة بما سبق انهيار 2008، مشيراً إلى أن الشركات الكبرى الممولة للاستثمارات تحقق أرباحاً مرتفعة، وأن مستويات المديونية لا تشبه الاختلالات التي سبقت الأزمة المالية.

وبذلك، تبقى استراتيجية الاحتياطي الفيدرالي معلقة على اختبار الأشهر المقبلة، فإذا هدأت الطاقة والرسوم وبدأ التضخم الأساسي في الانخفاض، يمكن إبقاء الفائدة ثابتة، وربما تخفيفها لاحقاً؛ أما إذا استمرت الأسعار في تحدي الهدف، فسيتحول خيار رفع الفائدة من تحذير لفظي إلى خطوة فعلية.

اترك تعليقاً