اقتصاد

وورش في مواجهة بيسنت.. تباين يربك سواق السندات الأميركية

صراع بين الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة يربك أسواق السندات الأميركية

صراع بين الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة يربك أسواق السندات الأميركية

يتبنى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، نهجًا جديدًا يقوم على تقليل التوجيهات المسبقة للأسواق بشأن قرارات البنك المركزي المقبلة. ويأمل وورش أن يؤدي ذلك إلى دفع المستثمرين إلى التركيز على البيانات الاقتصادية نفسها بدلًا من محاولة توقع كيفية تفسير الاحتياطي الفيدرالي لها.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن تساعد استجابة الأسواق للبيانات الاقتصادية بصورة أكثر استقلالًا مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي في تقييم الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة أو خفضها.

بيسنت يتدخل في سوق السندات

لكن هذه الاستراتيجية تواجه تحديات كبيرة، إذ من الصعب منع الأسواق من التركيز على الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي. وزادت تدخلات وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، في سوق سندات الخزانة من تعقيد الصورة.

وكان بيسنت قد أعلن الأسبوع الماضي خطة مفاجئة لمضاعفة عمليات إعادة شراء سندات الخزانة على الأقل، وهي خطوة اعتبرها محللون محاولة للحد من ارتفاع عوائد السندات.

وقال تيم ماهيدي، المسؤول السابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، إن العلاقة بين بيسنت ووورش قد تواجه توترًا متزايدًا بسبب اختلاف توجهاتهما.

خلاف حول اتجاه أسعار الفائدة

تراجعت أسعار سندات الخزانة الأميركية بعد إعلان بيسنت خطته، ما يعني ارتفاع عوائدها، رغم أن وزارة الخزانة قدمت الإجراء باعتباره خطوة فنية تهدف إلى تعزيز السيولة في السوق.

ويرى محللون أن الهدف الفعلي قد يكون خفض عوائد السندات المرتفعة، وهو ما يتوافق مع مساعي بيسنت لخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وكان عائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا قد وصل مؤخرًا إلى أعلى مستوى له منذ 2007، قبل الأزمة المالية العالمية.

وقال إريك روزنغرين، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن، إن تدخل وزارة الخزانة يجعل من الصعب اعتبار تحركات سوق السندات مؤشرًا واضحًا على توجهات المستثمرين.

الاحتياطي الفيدرالي والخزانة في اتجاهين متعاكسين

يرى روزنغرين أن هناك اختلافًا واضحًا بين توجه البنك المركزي ووزارة الخزانة. ففي الوقت الذي يركز فيه وورش على مخاطر التضخم، والتي قد تستدعي الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها، يسعى بيسنت إلى خفض أسعار الفائدة طويلة الأجل.

وقد يؤدي انخفاض العوائد طويلة الأجل إلى تراجع تكاليف الرهون العقارية وقروض الشركات، إلى جانب خفض تكلفة اقتراض الحكومة الفيدرالية، وهو ما قد يزيد الضغوط التضخمية إذا أدى إلى تحفيز الطلب.

وورش يقلل من التوجيهات للأسواق

لطالما أبدى وورش قلقه من بقاء التضخم فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% طوال السنوات الخمس والنصف الماضية.

وفي اجتماعات البنك المركزي خلال الصيف، ناقش المسؤولون احتمال الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل بسبب استمرار التضخم، لكنهم اتفقوا في نهاية المطاف على الأقل على الإبقاء عليها دون تغيير.

وفي المقابل، يتبنى بيسنت موقفًا أكثر تدخلًا، خصوصًا في سوق السندات طويلة الأجل.

عودة إلى حقبة غرينسبان

تثير استراتيجية وورش في التواصل قلق الأسواق، التي اعتادت خلال السنوات الماضية على قدر أكبر من الشفافية من جانب الاحتياطي الفيدرالي.

وفي عهد رئيس البنك المركزي السابق آلان غرينسبان، خلال أواخر القرن الماضي، كان الاحتياطي الفيدرالي يقدم معلومات محدودة نسبيًا حول توجهاته. لكن منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، اتجه البنك إلى زيادة الشفافية من خلال المؤتمرات الصحفية ونشر توقعات أسعار الفائدة وإتاحة مقابلات لمسؤوليه.

وقال بنسون دورهام، المسؤول السابق في الاحتياطي الفيدرالي، إن إعادة البنك إلى مستوى أقل من الشفافية ستكون مهمة صعبة للغاية.

رئيس لا يتحدث ووزير يتحدث كثيرًا

وصف دورهام التباين بين المسؤولين بقوله إن الولايات المتحدة لديها رئيس للاحتياطي الفيدرالي «لا يُدلي بتصريحات كافية»، في مقابل وزير للخزانة «يُكثر من الكلام».

وفي اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يوليو، دافع وورش عن نهجه، معتبرًا أن تحركات عوائد سندات الخزانة تعكس تعلم الأسواق التركيز على البيانات الاقتصادية الفعلية بدلًا من تصريحات مسؤولي البنك المركزي.

لكن اقتصاديين ومراقبين يشككون في هذه الفرضية، مؤكدين أن الاحتياطي الفيدرالي نفسه لاعب رئيسي في الأسواق، إذ يحدد أسعار الفائدة قصيرة الأجل وله تأثير مباشر في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

السوق ليست مرآة صافية للبيانات

لا يتوقف الأمر عند تصريحات الاحتياطي الفيدرالي أو وزارة الخزانة. فالمستثمرون لا يتعاملون مع البيانات الاقتصادية بصورة آلية؛ فعندما يصدر تقرير ضعيف عن الوظائف أو ترتفع معدلات التضخم، يحاولون تقدير ما تعنيه هذه البيانات بالنسبة إلى قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة.

وبذلك تصبح الأسواق أمام «متاهة من المرايا»، تتداخل فيها البيانات الاقتصادية مع توقعات السياسة النقدية وتصريحات المسؤولين وتحركات وزارة الخزانة، ما يجعل الوصول إلى قراءة مستقلة تمامًا لما يريده السوق أمرًا بالغ الصعوبة.

(مات إيغان، CNN)

اترك تعليقاً