
قام باحثون روس في معهد طب القلب الشخصي بجامعة سيتشينوف بتدريب الذكاء الاصطناعي على التعرف على الأنماط الكيميائية المميزة في الهواء الزفيري المرتبطة بأربعة أمراض رئوية: مرض الانسداد الرئوي المزمن، والربو القصبي، والتليف الكيسي، وداء الأوعية اللمفاوية العضلية الملساء.
بضع دقائق من التنفس الطبيعي قد تساعد الأطباء على تشخيص أمراض الرئة الخطيرة في وقت مبكر جدًا مقارنةً بالاعتماد على الأعراض وحدها.
ووفقًا لـ”بوابة روسيا العلمية”، قد تتطلب بعض هذه الحالات فحوصات معقدة، بينما يوفر هذا النهج الجديد طريقة سريعة وغير مؤلمة للفحص الأولي.
كل نفس يحمل بصمة كيميائية
عندما نزفر، لا نُطلق ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء فحسب، بل نُطلق أيضًا مئات المركبات العضوية المتطايرة، وتعكس تركيزاتها العمليات الكيميائية التي تحدث داخل الجسم.
وعندما يُغير المرض عملية الأيض أو الالتهاب أو غيرها من العمليات البيولوجية، قد يتغير توازن هذه الجزيئات. وتُشكل هذه التغيرات مجتمعةً ما يُطلق عليه الباحثون اسم “النمط الكيميائي المميز” المرتبط بحالة مرضية معينة.
استخدم العلماء هذه الظاهرة لإنشاء أنماط فردية لهواء الزفير لأمراض الرئة المختلفة، أما بالنسبة للمريض، فالإجراء أبسط بكثير من العلم الكامن وراءه، فكل ما يحتاجه هو التنفس لفترة قصيرة في قطعة فم طبية مُخصصة.
كيف يتعرف الذكاء الاصطناعي على الأمراض من خلال الزفير؟
يتم تحليل عينة الزفير باستخدام جهاز عالي الحساسية يُسمى” مطياف كتلة البروتون”، يفصل الجهاز عينة الزفير إلى مكوناتها الكيميائية ويقيس كميات الجزيئات المتطايرة المختلفة،لكن اكتشاف الجزيئات ليس سوى الخطوة الأولى، فالمهمةالأصعب هي تفسير النمط.
من غير المرجح أن يُمثل المرض بمادة واحدة فريدة تُستخدم كعلامة بسيطة بنعم أو لا. بدلاً من ذلك، يحلل الذكاء الاصطناعي مجموعات من العديد من المواد الكيميائية في آنٍ واحد، ووفقًا للباحثين، قد يحتوي ملف المرض على ما بين 15 إلى 30 علامة جزيئية أو أكثر.
تم تدريب خوارزميات الشبكات العصبية على كميات هائلة من البيانات السريرية لتعلم كيفية تفاعل هذه التراكيز لتكوين أنماط مميزة، فعندما يُشابه الملف الكيميائي لأنفاس المريض نمطًا مرضيًا تعلمه النظام، يُشير الذكاء الاصطناعي إلى احتمال متزايد لوجود الحالة المرضية المقابلة، حيث يُخبر مطياف الكتلة الأطباء بما يحتويه النفس، بينما يُساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد دلالة هذا المزيج الكيميائي.
دقة تزيد عن 96% في فحص التليف الكيسي
إحدى أبرز النتائج التي توصل إليها فريق البحث تتعلق بـ”التليف الكيسي”، وهو اضطراب وراثي خطير يُمكن أن يُؤثر بشدة على الرئتين وأعضاء أخرى.
صرح البروفيسور فيليب كوبيلوف، مدير معهد طب القلب الشخصي بجامعة سيتشينوف، لبوابة روسيا العلمية، أن اختبار التليف الكيسي المُطور حقق دقة تزيد عن 96% في التمييز بين المرضى المصابين بالمرض والأفراد الأصحاء، وأشار إلى أن هذا الأداء يُقارب أداء الاختبارات الجينية، التي تُعتبر الطريقة المرجعية لتحديد الأساس الجيني للمرض.
وكانت نتائج أمراض الجهاز التنفسي الأكثر شيوعًا أقل نوعًا ما، لكنها لا تزال مُشجعة،ففي حالة مرض الانسداد الرئوي المزمن والربو القصبي، بلغت الدقة المُبلغ عنها حوالي 85-90%.
تُعد هذه الأرقام مثيرة للاهتمام بشكل خاص بالنسبة لتقنية الفحص، لأن الهدف ليس تقديم التشخيص النهائي، بل تحديد الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى مزيد من الفحوصات الطبية المُفصلة.
الفحص ليس هو التشخيص
يؤكد الباحثون صراحةً أن هذه التقنية حاليًا هي طريقة فحص مبدئي، وليست اختبارًا تشخيصيًا تأكيديًا. لذا، فإن نتيجة الذكاء الاصطناعي الإيجابية لا تعني بالضرورة تشخيص الشخص بالربو، أو الانسداد الرئوي المزمن، أو التليف الكيسي، أو أي مرض رئوي آخر.
بل إن النظام مصمم للإجابة عن سؤال مختلف:
هل يحتوي تنفس هذا الشخص على نمط مثير للريبة؟
هل يحتوي نَفَس هذا الشخص على نمط مثير للريبة يستدعي إجراء المزيد من الفحوصات؟
لا يزال ذلك ذا قيمة بالغة، يسهل التعامل مع العديد من الأمراض عند تشخيصها قبل تفاقم المضاعفات، اذ يمكن لاختبار فحص سريع وغير جراحي أن يساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر وتوجيههم نحو الفحوصات التخصصية المناسبة أو الاختبارات التأكيدية.
لماذا قد يكون فحص النَفَس مفيدًا في الرعاية الصحية الروتينية؟
من أبرز مزايا هذا الأسلوب بساطته بالنسبة للمريض، فلايتطلب الأمر إبرًا أو خزعات أو إجراءات معقدة لجمع العينات. كل ما على الشخص فعله هو النفخ في الجهاز لفترة وجيزة. ثم يتم تحليل التركيب الكيميائي لهذا النَفَس وتفسيره حاسوبيًا.
يعتقد البروفيسور كوبيلوف أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه في الرعاية الصحية الأولية قد يُحدث تغييرًا جذريًا في الفحص الطبي الروتيني.
وبدلًا من انتظار ظهور أعراض واضحة على المريض أو وصوله إلى أخصائي في مرحلة متقدمة من المرض، يمكن للأطباء تحديد الأنماط المشبوهة في وقت مبكر جدًا، حتى خلال المرحلة الأولى من الفحص الطبي.
قد تُسفر هذه النتائج عن تحسين توجيه المرضى: إذ يتجنب المرضى ذوو النتائج المطمئنة إجراء فحوصات معقدة غير ضرورية، بينما يُوجَّه المرضى الذين تظهر عليهم أنماط مشبوهة بسرعة نحو فحوصات أكثر تفصيلًا.
من نفس واحد إلى صورة أشمل للصحة
يحتوي زفيرنا على مزيج معقد من الجزيئات الناتجة عن العمليات الحيوية في جميع أنحاء الجسم، وحتى وقت قريب، كان استخلاص معلومات ذات دلالة سريرية من هذه الإشارة الكيميائية المعقدة أمرًا بالغ الصعوبة.
أصبحت أجهزة التحليل عالية الدقة قادرة الآن على قياس هذه الجزيئات، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي البحث في تركيبات يصعب تفسيرها يدويًا.
لذا، لا يكمن الابتكار المهم في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في الجمع بين التحليل الكيميائي عالي الدقة، والأنماط الجزيئية الخاصة بالأمراض، والبيانات السريرية، والتعلم الآلي معًا، يُمكن لهذه التقنيات أن تُحوّل عملية بسيطة كالزفير إلى مصدر جديد للمعلومات الطبية.
وإذا أكد المزيد من التطوير موثوقيته في الممارسة السريرية، فإن اختبار التنفس البسيط يمكن أن يساعد الأطباء على اكتشاف أمراض الرئة الخطيرة في وقت مبكر،عندما يكون لدى المريض الكثير ليكسبه من الفحص والعلاج في الوقت المناسب.



