عربي

طي صفحة الإدارة الذاتية: دمج مؤسسات الأكراد في الدولة السورية

عبدي يعلن بدء مرحلة جديدة للمطالبة بالحقوق الدستورية والشرع يستعيد السيطرة المركزية على كامل البلاد

أفراد من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد في مدينة عين العرب، الـ23 من يناير 2026 (أ ف ب)

أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي رسمياً إنجاز عملية دمج المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية الكردية بالكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، لينهي بذلك مرحلة بارزة من تاريخ الأكراد وطموحهم لتكريس الحكم الذاتي شمال شرقي البلاد.

وتأتي هذه الخطوة تنفيذاً لاتفاق شامل وقع مطلع العام بين عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع برعاية أميركية، وتضمن تسليم الإدارة المركزية لمطار القامشلي وحقول النفط، وتعيين قيادات كردية في مناصب حكومية وعسكرية رفيعة، مترافقاً مع مرسوم رئاسي يعترف بالحقوق الوطنية واللغة الكردية، وسط تأكيدات تحليلية بأن الاتفاق يمثل نجاحاً لدمشق في بسط سيادتها ونهاية لحقبة النفوذ العسكري المستقل للأكراد بعد تحول الدعم الأميركي نحو الحكومة الجديدة. 

أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي الخميس إنجاز عملية دمج المؤسسات الكردية المدنية والعسكرية في إطار مؤسسات الدولة السورية، لتنتهي بذلك مرحلة بارزة في تاريخ الأكراد الذي طمحوا بعد اندلاع النزاع إلى تكريس حكم ذاتي. 

وجاء الإعلان بعد أشهر من مفاوضات شاقة خاضها الأكراد والسلطات السورية، بعد توقيعهما في الـ31 من يناير (كانون الثاني) الماضي اتفاقاً شاملاً نص على دمج تدريجي لمؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة، في خطوة وصفتها واشنطن التي تربطها بالطرفين علاقة وثيقة بـ”المحطة التاريخية”. 

وقال عبدي، في كلمة ألقاها باللغة الكردية خلال احتفال بمئوية تأسيس مدينة القامشلي في شمال شرقي البلاد، إن “مرحلة اندماج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية داخل مؤسسات الدولة الوطنية تمت وانتهت”. وأضاف “من الآن فصاعداً نبدأ مرحلة جديدة”، مؤكداً أن “نضالنا سيستمر كي نثبت حقوق شعبنا المحقة في الدستور”. 

وأعقب الاتفاق الذي وقعه عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع مطلع العام تصعيداً عسكرياً بين الطرفين، انكفأت قوات سوريا الديمقراطية على إثره من مناطق واسعة في شمال سوريا وشرقها ذات غالبية عربية إلى مناطق ذات غالبية كردية في معقلها في محافظة الحسكة. 

وفي خضم التصعيد العسكري، أصدر الشرع في الـ16 من يناير مرسوماً اعترف فيه بالحقوق الوطنية للأكراد، وبلغتهم لغة رسمية، في خطوة غير مسبوقة في سوريا منذ استقلالها عام 1946. 

وبموجب الاتفاق، عين الشرع في الشهر اللاحق نور الدين أحمد عيسى، وهو كردي من مدينة القامشلي، محافظاً للحكسة، ثم أعلنت وزارة الدفاع في مارس (آذار) تعيين سيبان حمو، القيادي العسكري الكردي البارز، معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية. 

وتسلمت السلطات السورية تباعاً بموجب الاتفاق إدارة مرافق ومنشآت كانت تحت سيطرة الأكراد، أبرزها مطار القامشلي وحقول النفط والغاز الغنية في شمال شرقي البلاد. 

ونقلت القوات الأميركية أكثر من 5700 معتقل من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية ممن كانوا محتجزين لدى الأكراد إلى العراق المجاور، بعدما أعلن المبعوث الأميركي إلى دمشق توم باراك أن دور قوات سوريا الديمقراطية في التصدي للتنظيم المتطرف قد انتهى.

ولسنوات، شكلت واشنطن التي قادت التحالف الدولي ضد التكفيريين الداعم الرئيس للأكراد في قتال التنظيم حتى دحره من آخر مناطق سيطرته عام 2019.

لكن بعد إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد أواخر 2024، سرعان ما باتت واشنطن داعماً أساسياً للشرع ولجهوده في توحيد البلاد بعد سنوات النزاع الطويلة.

لم يذكر عبدي الآلية التي تم بموجبها دمج قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن الكردية في صفوف الدولة السورية، بعدما شاب ذلك تباين في وجهات النظر بين الطرفين.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية التي تأسست في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 جراء اندماج مقاتلين عرب مع المقاتلين الأكراد، بدعم وتوجيه من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، تضم في صفوفها قبل إطاحة الحكم السابق نحو 100 ألف عنصر، وفق عبدي، بينهم نساء.

وبعد وصول السلطات الجديدة إلى دمشق، خسر الأكراد الجزء الأكبر من المقاتلين العرب الذين آزروا السلطات، لينفض عديد القوات الكردية إلى نحو 50 ألفاً، بحسب الباحث المتخصص في الشأن السوري فابريس بلانش.

قبل اندلاع النزاع عام 2011، كثيراً ما عانى الأكراد، الذين يشكلون أساساً نحو مليونين من أصل 20 مليون سوري، التهميش والاضطهاد من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، فحرموا طوال عقود من تعليم لغتهم والاحتفال بأعيادهم وممارسة تقاليدهم ونزعت الجنسية من عشرات الآلاف منهم.

وبعد اندلاع النزاع، نأى الأكراد بأنفسهم عن قتال قوات الحكم السابق، وانصرفوا تباعاً إلى بناء إدارة ذاتية باتت تتبع لها تدريجاً مؤسسات مدنية وعسكرية منظمة، خصوصاً بعد سيطرتهم على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها غنية بحقول النفط والغاز وسهول زراعية خصبة إثر دحرهم تنظيم “داعش” منها.

ويشكل إنجاز عملية الدمج نهاية مرحلة بارزة في تاريخ أكراد سوريا الذين أملوا بتكريس حكم ذاتي، قبل إطاحة الحكم السابق ثم تخلي داعمتهم واشنطن عنهم.

ويقول الخبير في الشأن الكردي موتلو جيفير أوغلو لوكالة الصحافة الفرنسية “يشكل حل قوات سوريا الديمقراطية نهاية مرة، فهذه القوة العسكرية التي حققت نجاحات كبيرة، وهزمت تنظيم داعش مراراً، وحظيت بإعجاب كثيرين، تصل للأسف إلى نهايتها”. 

ويرى أن حل هذه القوة العسكرية المنظمة والمدربة، التي كان يمكن أن تشكل “نموذجاً” في الدولة الجديدة، “يمثل نهاية حقبة القوة الكردية في سوريا”.

في المقابل، حقق الرئيس الشرع، بحسب جيفير أوغلو، “إنجازاً كبيراً” في إطار مساعيه إلى بسط سلطته على كامل التراب السوري.

ويوضح جيفير أوغلو “بذلك، تكون الحكومة السورية قد تجاوزت، إلى حد ما، إحدى أبرز العقبات التي كانت تعترض ترسيخ سلطة الحكومة المركزية وتكريس شرعية الشرع رئيساً للبلاد وشرعية إدارته”. 

اترك تعليقاً