
كشف النصف الأول من عام 2026، عن موجة نشطة من صفقات الغاز الطبيعي حول العالم، كان للمنطقة العربية حضور لافت فيها بـ3 صفقات كبرى، ما يؤكد استمرار الرهان العالمي على هذا الوقود بوصفه ركيزة أساسية لأمن الطاقة، وسط تنافس محموم بين كبرى الشركات لتأمين احتياطيات جديدة وتوسيع قدراتها الإنتاجية.
وعكست أبرز صفقات الغاز خلال النصف الأول من 2026، استمرار الاعتماد العالمي على الغاز الطبيعي كوقود انتقالي محوري يدعم استقرار الإمدادات، في ظل حيوية لافتة شهدتها أسواق الطاقة على صعيد العقود والاستحواذات ومشاريع التطوير الكبرى.
وبحسب منصة “الطاقة” المتخصصة، فقد تضمّنت هذه المدة توقيع عقود طويلة الأجل وتطوير حقول عملاقة وتوسعات بحرية واستحواذات إستراتيجية بمليارات الدولارات، توزّعت جغرافيًا بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا وأستراليا، في مؤشر على تنافس الشركات العالمية لتأمين موارد جديدة ورفع طاقاتها الإنتاجية، بينما تواصل الدول المستهلكة بحثها عن مصادر موثوقة بعد سنوات من اضطراب الأسواق.
وجاءت أكبر صفقات الغاز في النصف الأول 2026، على النحو الآتي:
اليونان (صفقة استحواذ مع شيفرون الأمريكية)
سوريا (صفقة ضخمة لتطوير حقول الغاز)
الإمارات (صفقتان: لتطوير حقل مصري، وبيع الغاز المسال)
قطر (صفقة لتطوير أكبر حقل غاز في العالم)
أستراليا (صفقة استحواذ مدعومة من أرامكو السعودية)
صفقة “شيفرون” في اليونان
عزّزت شركة “شيفرون” الأمريكية حضورها في شرق المتوسط عبر الاستحواذ على حصة تشغيلية واسعة في المربع البحري رقم 10 قبالة السواحل اليونانية، في منطقة يرجّح احتواؤها على موارد هيدروكربونية واعدة.
وأبرمت الشركة اتفاقًا مع “هيلينك إنرجي” اليونانية للحصول على 70% من الامتياز، مقابل احتفاظ الأخيرة بـ30%، ما يمنح العملاقة الأمريكية إدارة عمليات الاستكشاف والتطوير المقبلة.
ويعدّ هذا خامس امتياز بحري مشترك بين الشركتين في اليونان، ويعكس تنامي اهتمام الشركات الكبرى بالأحواض غير المستكشفة شرق المتوسط.
ويعود أول أنشطة الاستكشاف في خليج كيباريسياكوس إلى عام 1938، وتراهن شيفرون على خبرتها الطويلة في مشروعات المياه العميقة لتطوير الموارد المحتملة وتعزيز إمدادات الغاز الإقليمية خلال السنوات المقبلة.
تطوير حقول الغاز في سوريا
احتلّت اتفاقية تطوير حقول الغاز السورية موقعًا بارزًا بين كبرى صفقات الغاز في النصف الأول من 2026، لما تنطوي عليه من أبعاد اقتصادية وإستراتيجية، إذ تعدّ أول اتفاق من نوعه يجمع دمشق بشركات أمريكية كبرى بعد سنوات طويلة من العراقيل السياسية والاقتصادية.
وفي السادس عشر من يونيو/حزيران 2026، احتضنت العاصمة السورية توقيع العقد بين الشركة السورية للبترول وشركتي “كونوكو فيليبس” و”نوفاتيرا” الأمريكيتين، عقب جولات من المفاوضات الفنية والقانونية والتجارية التي مهّدت الطريق إلى الصيغة النهائية للاتفاق.
ووقّع عن الجانب السوري المهندس يوسف قبلاوي، ممثلًا للشركة السورية للبترول، فيما وقّع أليكس ماكدونالد، باسم “كونوكو فيليبس” ورايان لانس، باسم “نوفاتيرا”، بحضور مسؤولين من وزارة الطاقة السورية وعدد من ممثلي الشركات المشاركة.
ويسعى المشروع إلى رفع إنتاج الحقول القائمة وتعزيز كفاءتها التشغيلية والبحث عن فرص جديدة لزيادة الاحتياطيات، فضلًا عن جذب استثمارات وتقنيات حديثة تسهم في إعادة تأهيل أجزاء أساسية من البنية التحتية لقطاع الطاقة السوري.
أكبر حقل غاز في العالم
سجّل مشروع ضغط الغاز في حقل الشمال القطري — أكبر حقول الغاز في العالم — محطة مهمة خلال مايو/أيار 2026، بعد إرساء عقد جديد تصل قيمته إلى 220 مليون دولار على شركة “بوميسك أوفشور إنجينيرينغ” الصينية لتنفيذ أعمال بحرية متخصصة.
ويعدّ هذا الحقل، المشترك بين قطر وإيران، أضخم تجمّع للغاز الطبيعي على مستوى العالم، إذ تقدّر قطر للطاقة الاحتياطيات القابلة للاستخراج من الجانب القطري وحده بنحو 900 تريليون قدم مكعبة.
ويشمل العقد تصميم وحدات سكنية بحرية حديثة وتوريدها وبناءها لإيواء العاملين على منصات الإنتاج والضغط التابعة للمشروع، ضمن خطة أوسع ترمي إلى رفع كفاءة العمليات التشغيلية والحفاظ على استقرار الإنتاج مستقبلاً.
وينتظر أن تتولى شركة “تيانجن” التابعة لـ”بوميسك” الصينية تنفيذ الأعمال في المدة الممتدة من أبريل/نيسان 2026 حتى مارس/آذار 2030، بما يجعله حلقة رئيسية ضمن التوسعات القطرية طويلة الأجل، وفق ما اطّلعت عليه منصة الطاقة المتخصصة.
توسعة حقل الشمال القطري
جاء مشروع توسعة حقل الشمال ضمن أكبر صفقات الغاز في النصف الأول 2026، بعدما فازت شركة هندسة النفط البحري الصينية بعقد تبلغ قيمته نحو 4 مليارات دولار، بالشراكة مع شركة سايبم الإيطالية المتخصصة بالمشروعات البحرية.
ويمتد تنفيذ المشروع لمدة خمس سنوات، ويتضمن إنشاء منصتي ضغط ومرافق بحرية متطورة تدعم عمليات الإنتاج والمعالجة في الحقل، بما يسهم في رفع كفاءة التشغيل وزيادة الطاقة الإنتاجية المستقبلية.
وأوضحت الشركة الصينية في إفصاح رسمي لبورصة شنغهاي بتاريخ 13 فبراير/شباط 2026، أن حصتها من العقد تتجاوز 800 مليون دولار، في حين تستحوذ “سايبم” الإيطالية على الجزء الأكبر من الأعمال بقيمة تقارب 3.1 مليار دولار.
وتؤكد هذه التوسعة استمرار “قطر للطاقة” في تنفيذ خططها الطموحة لزيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال خلال السنوات المقبلة، وتعزيز مكانة الدولة بوصفها أحد أهم موردي الغاز إلى الأسواق العالمية.
صفقة إماراتية في مصر
تصدّرت صفقة تطوير حقل “هارمتان” البحري قائمة أبرز صفقات الغاز في النصف الأول من 2026، عقب إقرار قرار الاستثمار النهائي للمشروع باستثمارات تبلغ نحو 500 مليون دولار، في مؤشر على عودة زخم الاستثمار الأجنبي إلى قطاع الغاز المصري.
وأُبرم الاتفاق بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس” وشركة “أركيوس” الإماراتية على هامش مؤتمر “إيجبس 2026″، الذي احتضنته القاهرة بحضور واسع من شركات الطاقة العالمية وكبريات المؤسسات الاستثمارية.
ويرمي المشروع إلى إنتاج قرابة 150 مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي، إلى جانب 3300 برميل يومياً من المكثفات، بما يعزّز الإمدادات المحلية ويرفع قدرة مصر على مواكبة الطلب المتنامي.
وتمتد أعمال التطوير لتشمل حفر آبار جديدة وإقامة منصة بحرية ومدّ خط لنقل الغاز يبلغ طوله 50 كيلومتراً، مع خطط توسعة لاحقة تستهدف زيادة الإنتاج وتحسين الاستفادة من موارد المنطقة.
صفقة استحواذ مدعومة من “أرامكو” السعودية
شكّلت عملية الاستحواذ التي أنجزتها شركة “ميد أوشن إنرجي” الأمريكية واحدة من أبرز محطات صفقات الغاز في النصف الأول من 2026، بفضل توسّعها في قطاع الغاز الطبيعي المسال الأسترالي الذي يُصنّف بين الأكبر عالمياً على صعيد التصدير.
وأبرمت الشركة، التابعة لـ”إي آي جي غلوبال”، اتفاقاً مع شركة “جيرا” اليابانية للاستحواذ على حصص في مشروعين رئيسيين للغاز المسال، بما يوسّع حضورها في سوق آسيوية يتنامى فيها الطلب على الوقود منخفض الانبعاثات.
وتكتسب الصفقة أهمية مضاعفة من امتلاك “أرامكو” السعودية حصة قدرها 49% في “إي آي جي غلوبال”، عقب استثمار انطلق بقيمة 500 مليون دولار عام 2023، ثم تصاعدت الحصة تدريجيًا في السنوات اللاحقة.
وطالت العملية التي رصدتها منصة “الطاقة” المتخصصة، حصة في مشروع إيكثيس الأسترالي للغاز المسال، مع ترتيبات لإعادة بيع بعض الأصول مستقبلًا، بما يمنح الشركة مرونة استثمارية ويعزّز قدرتها على تحقيق عوائد بعيدة المدى.
أول صفقة عربية في 2026
اختُتمت قائمة كبرى صفقات الغاز في النصف الأول من 2026 باتفاقية توريد طويلة الأجل أبرمتها شركة “أدنوك” للغاز الإماراتية مع شركة “هندوستان بتروليوم” الهندية لمدة 10 سنوات، في واحدة من أهم صفقات الغاز المسال خلال العام.
وأُعلن الاتفاق رسميًا في التاسع عشر من يناير/كانون الثاني 2026 بالتزامن مع زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الهند، ما أكسب الصفقة أبعادًا سياسية واقتصادية تتخطى الإطار التجاري المعتاد.
وتتراوح القيمة التقديرية للعقد بين 9.18 و11 مليار درهم إماراتي (نحو 2.5 إلى 3 مليارات دولار)، ما يضعه بين أكبر عقود توريد الغاز المسال الموقّعة بين الجانبين في السنوات الأخيرة، وفق متابعات منصة الطاقة المتخصصة.
وبموجب الاتفاق، توفّر “أدنوك” للغاز ما يصل إلى 0.5 مليون طن سنويًا من الغاز المسال لشركة “هندوستان بتروليوم”، بما يدعم مساعي نيودلهي لزيادة حصة الغاز في مزيج الطاقة لديها، ويعزّز حضور هذه الصفقات في رسم ملامح خريطة تجارة الغاز عالميًا.



