فن

بيتر برونر يكشف أميركا المشردين في مهرجان لوكارنو

فيلم عن بيئة المشردين في الولايات المتحدة

في تشكيلة متفاوتة المستوى، لا يحلق معظم أفلامها عالياً في سماء الفن السابع، يقدم مهرجان لوكارنو السينمائي “5 – 15 أغسطس ( آب)” فيلماً من شأنه أن يستدرج بعض الحبر عند عرضه الجماهيري، بالنظر إلى موضوعه والأسئلة التي يطرحها.

 “في ذراع الله” هو عنوان الفيلم الذي أخرجه النمسوي بيتر برونر وهو، إلى جانب الإخراج، كاتب سيناريو وموسيقي، عُرف بانشغاله بعوالم المهمشين وما تخلفه الحياة على هامش المجتمع من صدمات نفسية.

في جديده الذي يُعرض هذا المساء على شاشة “بيازا غراندي” أمام بضعة آلاف من المشاهدين، تحملنا الكاميرا إلى بلدة صغيرة في أميركا العميقة، في تكساس تحديداً. هناك، بعيداً من صورة أميركا اللامعة المحاطة بهالة “الغلامور”، ومن تفوقها التكنولوجي وناطحات سحابها والفرص التي يُفترض أنها تتيحها للجميع، نكتشف أميركا أخرى، تلك التي لا تكاد تظهر إلا في الأفلام المستقلة: أناس يعيشون في سياراتهم، أو حتى في العراء، ويتدبرون شؤونهم بما تيسر، ويكافحون للبقاء. وتزداد المأساة حين تقرر الطبيعة أن تنقلب عليهم، فتنهمر الأمطار أو يتساقط الثلج على من لا يملكون سقفاً.

14.jpg

كايب لاندري جونز في دور القس

إنها أميركا الهامشية التي يضعها الفيلم، بذكاء ومن دون شعارات، في تماس مع شيء من أميركا ترمب؛ أميركا التي يعلو فيها الخوف من كل ما لا ينتمي إلى القوالب الاجتماعية الصارمة، ومن كل ما يُنظر إليه على أنه دخيل أو مختلف أو خارج عن السائد.

مصائر وشخصيات

ومع ذلك، لا يمكن وصف الفيلم بأنه سياسي بالمعنى المباشر للكلمة. لا أسماء ولا خطب ولا إحالات صريحة. السياسة هنا تعمل من وراء الستار، كقوة خفية تتحكم في مصائر الشخصيات من دون أن تظهر أمام الكاميرا. يفضل برونر أن يجعلنا نستنتج من الوقائع، وأن نقرأ ما بين الصور، بدلاً من أن يقدم لنا خطاباً جاهزاً. صحيح أن بعض الخطابية يتسلل أحياناً إلى الفيلم، وإن بخفر، إلا أن قوته الأساسية تكمن في ترك الأحداث والشخصيات تتكفل بالباقي.

وبما أن الفيلم مستوحى في الأصل من أحداث حقيقية، فإنه، وإن لم يكن وثائقياً، ينهل بكثافة من الحس الوثائقي، سواء في بيئته أو شخصياته أو التفاصيل التي يبني منها عالمه. في مقدم هذه الشخصيات قس شاب (كايلب لاندري جونز) يتسلم مسؤولية رعاية أهل البلدة، قبل أن يصطدم سريعاً بقسوة قلوبهم حين يقترح عليهم مد يد العون إلى مجموعة من المشردين الذين يعيشون بلا مأوى، في مواجهة شتاء قارس. ومن خلال هذا الصدام، ينكشف الفيلم على تحيزات متجذرة وإخفاقات بنيوية تتجاوز مصائر الأفراد لتطال النظام الاجتماعي برمته.

11.jpg

وجهة نظر أخرى إلى أميركا

إذا كانت البيئة التي يصورها الفيلم تذكر، من بعيد، بعالم “نومادلاند” لكلوي تشاو، فإن “في ذراع الله” لا يخفي انحيازه، قلباً وقالباً، إلى قضية المنسيين في المجتمع الأميركي المعاصر. وقد يصاب المشاهد غير المطلع على أحوال بعض المواطنين في أميركا العميقة، بصدمة، وهو يكتشف وجود هذا العدد من البشر الذين يعيشون على هامش الحياة، في بلد يقدم عادة كأعظم قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم. غير أن الفيلم لا يتخفى وراء حياد زائف، فهو عمل ذو مقصد واضح، بل يحمل في داخله رغبة صريحة في الدفاع عن هؤلاء الذين سقطوا من حسابات المجتمع والدولة.

هذا الانحياز يجد تفسيره في الطريقة التي ولد فيها المشروع. فالمخرج بيتر برونر والممثل كايلب لاندري جونز، الذي يؤدي دور القس، كتبا السيناريو معاً، فيما تولى الإنتاج المخرج الفرنسي الشهير لوك بيسون، الذي سبق أن منح لاندري جونز دور الرجل الناسك في فيلمه “دوغمان”. وعلى مدى نحو خمس سنوات، عملا على تطوير المشروع بالتعاون مع أشخاص يعيشون تجربة التشرد ويختبرونها بإيقاع يومي، فلم تأتِ أصواتهم من خارج الفيلم، وإنما أصبحت جزءاً من نسيجه. يقول برونر في هذا الصدد: “أصواتهم تشكل قلب فيلمنا، الذي يتناول هذه الأزمة لا من زاوية الإحصاءات والأرقام، بل من خلال التجربة الإنسانية وما تختزنه من ألم وكرامة وتعقيد”.

على مدى 100 دقيقة، يتصاعد صراع محتدم حول اقتراح تخصيص مكان عام، في مدرسة أو كنيسة، لإيواء المشردين الذين لا يتجاوز عددهم الـ20. لكن برونر لا يقسم البلدة إلى معسكرين متجانسين. فأهلها ليسوا جميعاً على رأي واحد، وإن كانت الكفة تميل بوضوح إلى معارضة تعاطف القس، كما أن المشردين أنفسهم ليسوا كتلة واحدة متشابهة. وهذه من أولى نقاط قوة الفيلم: رفضه تحويل شخصياته إلى أبيض وأسود، ومحاولته استخراج ما هو ملتبس ومتناقض من دواخلها، بحيث لا يصبح الضحية بالضرورة ملاكاً، ولا الخصم شيطاناً. أما النقد الأشد فيوجهه الفيلم إلى أولئك المتدينين الذين يتوافدون على دور العبادة، ويحرصون على أداء الطقوس والشعائر، لكنهم يعجزون عن ترجمة ما يتعلمونه داخل جدرانها إلى سلوك وممارسة.

13.jpg

نقاش في البلدة حول التعاطف

الفيلم “حركي” إلى حد كبير، لا يهدأ تقريباً، ولا يترك للملل منفذاً إلى إيقاعه. منذ البداية، يضعنا أمام معضلة أخلاقية واضحة، ثم يعرف كيف يورط المشاهد فيها كطرف. غير أن هذا النوع من الأفلام يحمل في داخله حدوده الخاصة. فمهما حاول أن يجعل الخطاب شفافاً، فإنه ينتهي، في لحظة ما، إلى اتخاذ موقفه، وربما إلى استكمال تجربة التوثيق كنوع من إراحة الضمير، فيما يبقى المشاهد في موقع الشاهد. أما النقاش الذي يريد الفيلم فتحه، فمن الصعب أن يولد حول مسلمات، إذ إن معظم مشاهديه، لا سيما في مهرجان سينمائي، سيدخلون إليه وهم يحملون قدراً من التعاطف المسبق مع المهمشين والمشردين. ومن هنا يبدو الفيلم، في بعض جوانبه، كأنه “يبيع الماء في حارة السقايين”. نحن مقتنعون سلفاً بالخطاب الذي يدافع عنه، وما يبقى لنا هو أن نتابع الطريقة التي يروي بها المخرج قصته. وفي هذا المجال، لا يخيب برونر. فالسرد مقنع وبسيط، يذهب مباشرةً إلى الهدف من دون لف أو دوران، مستنداً إلى تمثيل جيد وإخراج ممسوك وسيناريو يعرف إلى أين يريد أن يصل. وربما كان يمكن للفيلم أن يحفر أعمق في وجدان المشاهد، وأن يغامر أكثر في مناطق الالتباس.

يقول أصحاب الفيلم إن غايتهم هي فتح حوار، لا تقديم مرافعة أو الدفاع عن قضية بعينها. ولعل هذا التصريح الوارد في الملف الصحافي للفيلم يكشف، في ذاته، عن إحساس طاغ بأن العمل، على رغم من حسناته ومستواه الفني، يقترب أحياناً من الفيلم الدعائي الذي يتبنى قضية محددة ويدعو إلى الاصطفاف معها. ويزداد هذا الانطباع في ما قبل النهاية، حين ينخرط الفيلم في لعبة الأرقام والدراسات والإحصاءات، فيتحول، ولو للحظات، من عمل سينمائي إلى ما يشبه ملفاً توثيقياً عن أزمة التشرد.

ومع ذلك، يصر الفيلم على دعوة الجمهور إلى تجاوز الصور النمطية، والنظر أبعد من الأحكام الجاهزة، والتفكير في مجموعة من الأسئلة التي تتردد في صلبه: ماذا يحدث عندما يُقاد مجتمع بالخوف بدلاً من التعاطف؟ لماذا يشعر بعض الناس بعدم الارتياح حين يواجهون معاناة الآخرين؟ وهل يمكن للتعاطف أن ينشأ من دون صلة شخصية أو تجربة مشتركة؟ أسئلة كثيرة ستجد طريقها إلى “بيازا غراندي” هذا المساء، أمام جمهور سويسري، أقل ما يمكن قوله عنه إنه يعيش، في غالبيته، بعيداً من تجربة التشرد التي يضعها الفيلم في قلب المواجهة.

اترك تعليقاً