اقتصاد

الغاز المسال عند مستويات قياسية.. ما الذي يختلف عن أزمة 2022؟

تعود أسعار الغاز في أوروبا إلى مستويات لم تشهدها منذ نهاية عام 2022، مع تصاعد المخاوف من استمرار اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، في أزمة تختلف في طبيعتها عن صدمة الغاز التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، لكنها تعيد إلى الواجهة هشاشة أسواق الطاقة أمام الانقطاعات الجيوسياسية.

وصعدت العقود الهولندية المستقبلية القياسية للغاز، وهي المؤشر المرجعي للسوق الأوروبية، إلى 90.16 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى منذ ديسمبر 2022، بعدما ارتفعت بما يصل إلى 2.4%.

وبذلك أصبحت الأسعار نحو ثلاثة أمثال مستوياتها قبل اندلاع الحرب مع إيران، فيما ارتفعت الأسعار الفورية للغاز الطبيعي المسال في آسيا إلى 30.4 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أعلى مستوى منذ الفترة نفسها تقريباً.

ولا تعكس هذه القفزة مجرد مخاوف من نقص الإمدادات في منطقة بعينها، بل تكشف عن انتقال أثر اضطراب الشرق الأوسط إلى السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، حيث تتنافس أوروبا وآسيا على الشحنات المتاحة، في وقت تتزايد فيه احتياجات التدفئة وإعادة بناء المخزونات قبل الشتاء وبعده.

أزمة مختلفة عن صدمة 2022

يقول رونالد بينتو، محلل سوق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال لدى شركة كبلر، إن الفارق الأساسي بين الأزمتين يكمن في مصدر الاضطراب وطبيعته، «ففي عام 2022، فقدت أوروبا كميات كبيرة من الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب بصورة غير متوقعة، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع بما يكفي لفرض خفض كبير في الطلب، أما الأزمة الحالية، فتتمحور حول تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، خصوصاً الغاز الطبيعي المسال من قطر والمنطقة المحيطة بها».

وأضاف بينتو، «في مقابلة CNN الاقتصادية»، أنه مع ذلك فإن آسيا هي الأكثر تعرضاً بصورة مباشرة لهذا الاضطراب، نظراً لاعتماد أسواقها على الإمدادات القادمة من الخليج، «ولا يعني ذلك أن أوروبا بمنأى عن التأثير؛ فقد كانت لدى دول مثل إيطاليا وبلجيكا وبولندا عقود طويلة الأجل لاستيراد الغاز الطبيعي المسال القطري، لكن القارة الأوروبية باتت تمتلك بنية تحتية أكثر مرونة ما كانت عليه في 2022، بعد توسعة قدرات إعادة تغويز الغاز المسال وتطوير خطوط الأنابيب، بما يسمح بنقل الإمدادات بين مناطقها بدرجة أكبر من المرونة».

ويرى محلل سوق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال لدى شركة كبلر، أن هذه التطورات تجعل أوروبا أكثر استعداداً للتعامل مع الاضطراب الحالي مقارنة بالأزمة السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن استبدال جزء كبير من الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب بالغاز الطبيعي المسال جعل الأسعار الأوروبية أكثر ارتباطاً بتقلبات السوق العالمية.

هرمز يضغط على الأسعار مع اقتراب الشتاء

ويقول بينتو، إن عدة عوامل تضافرت لدفع أسعار الغاز الأوروبية إلى الارتفاع، في مقدمتها استمرار الصراع في الشرق الأوسط والهجمات على السفن، وما تثيره من شكوك بشأن موعد عودة الإمدادات إلى طبيعتها، ومع اقتراب موسم الشتاء، ترتفع حساسية السوق لأي نقص محتمل في الشحنات، حيث تزداد الضغوط مع اضطرار المشترين الأوروبيين إلى منافسة الأسواق الآسيوية والأميركية على الإمدادات المتاحة من حوض الأطلسي.

وفي الوقت نفسه، لا تزال دول في شمال غرب أوروبا، من بينها ألمانيا وهولندا، بحاجة إلى استكمال ضخ الغاز في مرافق التخزين، وسط مستويات مخزونات وصفها بينتو بأنها منخفضة أو منخفضة نسبياً، «كما أسهمت توقعات انخفاض درجات الحرارة عن متوسطها المعتاد خلال ما تبقى من أكتوبر والنصف الأول من نوفمبر في زيادة المخاوف من ارتفاع الاستهلاك. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى رفع استعداد المشترين لدفع أسعار أعلى لجذب شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا».

وفي آسيا، ارتفعت الأسعار الفورية إلى 30.4 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مع تزايد المخاوف بعد ورود بلاغ عن تعرض ناقلة غاز طبيعي مسال لإطلاق نار قرب اليمن، بالتزامن مع هجمات على سفن في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

ويرى محلل سوق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال لدى شركة كبلر، أنه قد أدى تعطل شحنات الشرق الأوسط إلى اضطرار بعض المشترين الذين لم يتمكنوا من الحصول على كميات كافية بموجب عقودهم إلى اللجوء للسوق الفورية الأعلى تكلفة، في وقت يتزايد فيه الطلب الموسمي على الغاز.

الإمدادات الأميركية لا تسد فجوة قطر

تمثل قدرة الولايات المتحدة على زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال أحد العوامل التي تخفف الضغوط على السوق، لكنها لا توفر بديلاً كاملاً عن الإمدادات المفقودة من الشرق الأوسط.

ويشير بينتو إلى أن صادرات الولايات المتحدة ارتفعت على أساس سنوي، مع دخول مشروعات جديدة حيز التشغيل وتقليص بعض المنشآت فترات الصيانة للاستفادة من الأسعار المرتفعة، «غير أن هذه الزيادة لا تكفي لتعويض فقدان الإمدادات القطرية، إذ لا تمثل حتى نصف الكميات التي فقدتها السوق من الغاز الطبيعي المسال القادم من الشرق الأوسط، حيث تبرز أهمية هذا النقص بالنظر إلى أن المنطقة كانت توفر نحو 20% من إجمالي إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية قبل الاضطراب، ولذلك، فإن استمرار تعطل الصادرات لا يقتصر تأثيره على المشترين الذين يعتمدون مباشرة على الغاز الخليجي، بل يمتد إلى الأسواق الأخرى عبر المنافسة على الشحنات البديلة».

ويرى محلل سوق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال لدى شركة كبلر، أن بعض الكميات المتاحة من حوض الأطلسي تتجه بالفعل إلى الأسواق الآسيوية التي تعرض أسعاراً أعلى لجذب الإمدادات، «ومن الأمثلة على ذلك توجه كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال النيجيري إلى جنوب آسيا، في تحول يعكس قدرة الأسعار على إعادة توجيه التجارة العالمية، لكنه لا يلغي النقص الإجمالي في المعروض».

أوروبا وآسيا في سباق على الشحنات

بحسب بينتو، فإن المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال مستمرة منذ مارس، وقد انعكست في انخفاض ملحوظ بواردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال خلال صيف 2026 مقارنة بصيف 2025، مع انتقال جزء من الإمدادات القادمة من حوض الأطلسي إلى الأسواق الآسيوية.

ولا يتوقع محلل سوق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال لدى شركة كبلر، أن تنتهي هذه المنافسة بمجرد تجاوز ذروة الطلب الشتوي. فكل من أوروبا وآسيا ستحتاج إلى إعادة ملء مخزوناتها، ما قد يمدد التنافس إلى الصيف المقبل، ويجعل مسار الأسعار مرتبطاً بدرجة كبيرة بتوقيت عودة صادرات قطر والشرق الأوسط، «وإذا عادت الإمدادات القطرية، فمن المرجح أن تتراجع حدة المنافسة؛ إذ ستتمكن الأسواق الآسيوية من استعادة جزء من مشترياتها من قطر، بينما ستتاح لأوروبا فرصة أكبر للحصول على شحنات من حوض الأطلسي، أما استمرار الاضطراب، فيعني بقاء المشترين في مواجهة سوق أكثر تنافسية، مع محدودية البدائل المتاحة».

ويضيف هذا الوضع تحدياً إلى تحول هيكلي في سوق الطاقة الأوروبية. فمع تراجع الاعتماد على الغاز الروسي، أصبحت القارة أكثر اعتماداً على سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، ما يجعلها عرضة لتداعيات الاضطرابات في الولايات المتحدة أو قطر أو أستراليا، حتى عندما لا تكون هذه الدول من الموردين الرئيسيين لها مباشرة.

مخزونات أوروبا تكفي.. لكن بهامش أمان محدود

رغم الارتفاع الحاد في الأسعار، لا يرى بينتو أن أوروبا تواجه بالضرورة نقصاً حتمياً في الغاز خلال الشتاء المقبل. ويقول إن مستويات التخزين، التي تبلغ نحو 75% وفق الأرقام الواردة في المقابلة، ينبغي أن تكون كافية لتجاوز موسم شتاء متوسط من حيث درجات الحرارة وتوليد الكهرباء من طاقة الرياح، شريطة عدم حدوث اضطرابات إضافية في الإمدادات.

لكن هذا التقييم مشروط بعدة عوامل؛ إذ يمكن لفترات طويلة من الطقس شديد البرودة، أو انخفاض إنتاج الكهرباء من الرياح، أو حدوث اضطراب في صادرات الغاز النرويجية إلى الاتحاد الأوروبي، أن يرفع الطلب على الغاز ويزيد تقلبات الأسعار.

ووفق سيناريو الأساس لدى محلل سوق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال لدى شركة كبلر، من المتوقع أن تنهي مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي شهر مارس عند مستوى يقارب 30%، وهو مستوى مماثل تقريباً لما سجلته في مارس 2026، «ويعني ذلك أن السوق قد تتمكن من اجتياز الشتاء، لكن عملية إعادة ملء المخزونات ستظل تحدياً إذا استمرت المنافسة على الشحنات أو تأخرت عودة الإمدادات من الشرق الأوسط».

آسيا تواجه كلفة النقص وخفض الطلب

في المقابل، تظهر آثار الأزمة بصورة مباشرة في الأسواق الآسيوية الأكثر اعتماداً على الغاز المستورد، ومنها الهند، وباكستان، وكوريا الجنوبية، والصين ومع ارتفاع الأسعار، تضطر هذه الدول إلى دفع مبالغ أكبر لجذب الشحنات البديلة من الولايات المتحدة وغرب إفريقيا، أو إلى تقليص الاستهلاك والتحول إلى مصادر أخرى للطاقة.

ويشير بينتو إلى أن باكستان شهدت انقطاعات في الكهرباء، بينما اتجهت الهند وكوريا الجنوبية إلى زيادة الاعتماد على الفحم في توليد الكهرباء، ولجأت اليابان بدرجة محدودة إلى أنواع وقود أخرى. كما تقدم حكومات في الهند وبنغلاديش دعماً لواردات الغاز الطبيعي المسال، لكن استمرار الأزمة حتى عام 2027 قد يجعل مواصلة هذه الإعانات أكثر صعوبة.

وتتركز المخاطر على قطاعي الصناعة والكهرباء، فقد تسعى الحكومات إلى حماية الصناعات المهمة اقتصادياً، مثل الأسمدة في الهند، والمستهلكين المحليين، بينما تصبح قطاعات أخرى أكثر عرضة لخفض الإنتاج أو تقليص استهلاك الغاز عندما ترتفع التكلفة.

اترك تعليقاً