
لم يتخذ ترمب قراره بعد، غير أن مصادر مطّلعة على التفاصيل تعتقد أن الأيام القريبة ستحدد المسار الذي سيختاره، في وقت لم يتبقَّ سوى هامش مناورة ضيّق لمواصلة الحرب المستمرة وغير المحسومة، والتي تشل حالياً منطقة الخليج.
بتسارع الأحداث على جبهتي إيران ولبنان، أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال استعداده لأي هجوم على إيران، سواء بحصوله على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى هذا الهجوم، أو بالرد على أي هجوم إيراني على إسرائيل.
وفي اجتماع أمني مصغر مساء الإثنين الماضي، لدى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، اختلفت التقديرات الإسرائيلية حول الملف الإيراني، وعلى رغم استعداده وجهوزيته فإن قيادة الجيش أطلعت المستوى السياسي على تقرير استخباراتي يدّعي أن قمة القيادة الإيرانية تشهد خلافاً في شأن توسيع نطاق إطلاق الصواريخ ليشمل إسرائيل أيضاً.
قيادة الجيش والأجهزة الأمنية التي شاركت في هذا الاجتماع أطلعت المستوى السياسي على مختلف السيناريوهات المتوقعة، بما في ذلك إبقاء إسرائيل خارج هذه المعادلة، انطلاقاً من إدراكها أن “انضمام الجيش إلى المواجهة سيكبّد النظام السياسي ثمناً باهظاً”، وفق مسؤول عسكري.
بانتظار إشارة ترمب
وشهدت أروقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة سلسلة مناقشات داخلية وأخرى مع وزراء في الحكومة أوصوا بعدم مبادرة إسرائيل بهجوم على إيران في ظل الخلافات الإيرانية الداخلية حول مدى الفائدة من إطلاق الصواريخ تجاه الدولة العبرية.
المؤسسة الأمنية استدركت بالقول، عبر مسؤولين، أن هذه التقديرات قد تتغير في أي لحظة وفقاً للوضع الداخلي والنقاشات الجارية في إيران، لكنها عازمة على استكمال الاستعداد والجهوزية، خصوصاً بعد أن أطلقت صواريخ على الأردن، وتحديداً منطقة العقبة القريبة من مناطق عسكرية واستراتيجية حساسة، مما دعا الجيش إلى استخدام القبة الحديدية لمنع سقوط شظايا من هذه الصواريخ على إسرائيل.
في المقابل أعادت إسرائيل نشر منظومات دفاعها في أوسع منطقة لمواجهة مختلف السيناريوهات المطروحة، التي لا تُسقط أيضاً دخول لبنان إلى المواجهة بادعاء أن “حزب الله” سيجد نفسه خارج دائرة اتخاذ القرار في لبنان بعد بدء تنفيذ اتفاق الإطار وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق المتفق عليها لينتشر مكانه الجيش اللبناني. وكذا تتوقع جهات عسكرية تصعيداً في لبنان بعد الكشف عن خطة تضعها إسرائيل لتفجير شبكة أنفاق كبيرة في قلعة الشقيف.
من جهته قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموترتش، إنه لا مصلحة لإسرائيل في المبادرة بهجوم على إيران أو مشاركة الولايات المتحدة في هجماتها، فـ”المصلحة الأسمى لإسرائيل اليوم هي تقويض النظام وإضعافه، وهو ما قد تسهم فيه هجمات الولايات المتحدة”.
في النقاش الأمني مساء الإثنين طُرح السؤال: ما الغاية من عملية إسرائيلية محتملة؟ فمن وجهة نظر إسرائيل يتمثل الهدف في إيصال إيران إلى وضع توافق في إطار المفاوضات على إخراج اليورانيوم المخصب خارج أراضيها، وهو أمر معقّد بحد ذاته.
وخلف الكواليس، يجري تنسيق وثيق ويومي بين قائد سلاح الجو ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ورئيس شعبة العمليات، وبين نظرائهم في القيادة المركزية للجيش الأميركي. واتخذ الجيش الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة سلسلة من الخطوات من أجل إتاحة قدرات العمل والمحافظة على حال التأهب.
وبحسب ما نقلت قناة “12” عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، فإن أمام الرئيس ترمب خيارين واقعيين فقط: الدفع باتجاه وقف جديد لإطلاق النار لمدة 10 أيام يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز، أو الخروج بمواجهة عسكرية جديدة وواسعة النطاق بالتعاون مع إسرائيل من أجل إجبار طهران على الاستسلام.
ولم يتخذ ترمب قراره بعد، غير أن مصادر مطّلعة على التفاصيل تعتقد أن الأيام القريبة ستحدد المسار الذي سيختاره، في وقت لم يتبقَّ سوى هامش مناورة ضيّق لمواصلة الحرب المستمرة وغير المحسومة، والتي تشل حالياً منطقة الخليج.
الخلاف الإسرائيلي يتعمق
مع الكشف عن تقرير نقلته إسرائيل إلى الولايات المتحدة تدّعي فيه أن إيران نقلت بشكل سري آلاف أجهزة الطرد المركزي المخصصة لتخصيب اليورانيوم إلى شبكة أنفاق عميقة داخل “جبل المعول”، يتعمق النقاش حول مصلحة إسرائيل، وما إذا كانت حقاً كما قال الوزير سموترتش تقويض النظام الإيراني، أو الاستمرار بالهجمات لتحقيق الأهداف التي وضعها الجيش لعملية “زئير الأسد” وتوقفت بأمر من الرئيس الأميركي من دون استكمالها.
في الاجتماع التشاوري الأمني لم يحسم الوضع، لكن الواضح أن من يقرر دخول إسرائيل هو الرئيس ترمب، وعليه ينتظرون التطورات وما إذا كانوا سيحصلون على ضوء أخضر للتدخل، مع تزايد احتمالات التصعيد بعد إعادة عدد كبير من الطائرات المزودة للوقود في الجو إلى مطار “بن غوريون” في تل أبيب.
أمام هذا النقاش عرض الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات الإسرائيلية والقائد السابق للواء الشمالي تمير هايمن، تصوراً لما اعتبره الأكثر أهمية تجاه إيران ويتجاهله الجميع بما في ذلك إسرائيل. ورأى أنه بالنسبة إلى إيران فإنها تسعى إلى الحفاظ على نصرها من خلال إبراز أربعة إنجازات استراتيجية، هي بقاء النظام واستقراره، والسيطرة على مضيق هرمز، وفرض قيود على إسرائيل بعملياتها وخططها ضد “حزب الله”، والحفاظ على البرنامج النووي.
وبينما يحذر كغيره من الأمنيين من خطر غياب خطة استراتيجية لإسرائيل للخروج من هذه الحرب المستمرة من دون أفق قريب، اعتبر أن إيران ستواصل الحفاظ على هذه الإنجازات كهدف أسمى لها من وقف إطلاق النار والمفاوضات.
في المقابل، يرى هايمن أن إيران تضع لنفسها خطوطاً حمراء، من بينها محاولة الانقلاب على النظام أو نشوب انتفاضة ضده، ويقول إنها ستُقمع بعنف وقوة. والثاني أن نظام الحركة في مضيق هرمز سيجري من دون تدخل أميركي ووفقاً للقواعد الإيرانية أي طريق عبور شمالي، وبالتنسيق مع الإدارة الخاصة التي أنشأتها لهذا الغرض (حالياً من دون رسوم لمدة 60 يوماً).
الأمر الثالث، وفق هايمن، هو عدم مهاجمة إسرائيل لبيروت أو شن هجوم واسع النطاق على “حزب الله”، ففي حال حدث ذلك سترد إيران بإطلاق الصواريخ من أراضيها باتجاه شمال إسرائيل، وفقاً لتوجيهات المرشد الأعلى الإيراني، وكما جرى تنفيذه بالفعل.
من سيدفع الثمن؟
أمام هذا يضع هايمن استنتاجات من بينها، أنه طالما أن الحملة محصورة في مضيق هرمز على مستوى التوتر الحالي ستبقى إسرائيل خارجها. وأي هجوم واسع النطاق على البنى التحتية الوطنية الحيوية بما في ذلك جميع محطات الطاقة سيوسع نطاق الحرب.
ويقول إن “اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان مستمر، والعملية التفاوضية مع الدولة اللبنانية مستمرة. مع ذلك فهو اتفاق هش للغاية، فقط بضعة صواريخ مارقة على المطلة، أو طائرة مسيرة متفجرة قاتلة، وينتهي كل شيء”.
ويضيف هايمن “أهم شيء بالنسبة إلى إسرائيل هو البرنامج النووي، وهذا ليس ما نتعامل معه”، مؤكداً أن التقارير المقلقة عن أعمال البنى التحتية في “جبل الفأس”، وغياب الرقابة من قبل الوكالة الدولية، وعدم تدمير البرنامج في عملية “زئير الأسد”، وفي ظل التقدم المقلق الذي أحرزه هذا البرنامج منذ حرب الأيام الـ12، فإن كل هذا يُترك من دون معالجة وهذا هو الأخطر. كما أن “إيران تعرف أيضاً أننا لن نتعامل مع هذا الأمر، بل ومع أمور أخرى”.
من جهته يرى المسؤول السابق عن الأسرى والمفقودين في الاستخبارات الإسرائيلية آفي كالو، أن الخطر الأكبر في إسرائيل هو التخطيط والاستعداد لهجوم على إيران من دون استراتيجية خروج واضحة من هذه العمليات.
ويصف الوضع الحالي بالقاتم والمحبط، مضيفاً “وضعنا لا يتطابق في أقل تقدير مع ما كان يُقدمه قادة واشنطن وتل أبيب عشية انطلاق حرب كانت مثيرة للجدل بين خبراء المجال منذ البداية. ستُكتب الكتب وتُنتج الأفلام في الخارج عن تورط ترمب في وهم فاشل تحول إلى حرب عبثية تُشبه حرب يأجوج ومأجوج، التي ستدخل قريباً يومها الـ150. ومن المتوقع أن يدفع الرئيس ثمن هذه المغامرة المشكوك فيها في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، والمقرر إجراؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل”.
أما في إسرائيل فيرى أن “المرحلة المقبلة ستتطلب صياغة استراتيجية إسرائيلية متعددة الأبعاد من الصفر لمواجهة التحديات الكبيرة. ولا يقتصر هذا المفهوم على مراجعة أهداف بناء قوة الجيش الإسرائيلي فحسب، بل يشمل أيضاً إعادة ضبط العلاقات مع الإدارة والرأي العام الأميركيين، وصياغة رؤية مشتركة للتهديد، إلى جانب إحياء المفاهيم الرقيقة كالدبلوماسية العسكرية والسياسية، والسعي إلى إبرام الاتفاقات والدعاية الفعّالة”.



