Literature

      صوت من بعيد ؟؟

بقلم: رنين فهيم الريماوي

في ذاك اليوم كان الجو يبدو غائماً، خرجت وبرفقتي آلة التصوير خاصتي، لأمارس هوايتي المفضلة ذهبت أتجول في أنحاء القدس القديمة وألتقط الصور متأملةً كل تلك الزوايا، الشوارع، الكنائس والجوامع وحتى أسواقها العريقة، عيناي تتفحصان تلك القبة البراقة الذهبية اللون، لم أرَ يوماً شيابها الجمال، بتلك الدقة في التركيب !

الوقت يمر وروحي تتشبع بكل تلك الراحة وكلي طمأنينته  وسعادة في أحضان هذا الجمال، أكملت المسير مُتجهةً لتلك الأزقة المنسية وكلي فضول لأرى ما فعلته بها تلك السنين..

وإذا…. بصوتٍ غريب يلفت انتباهي و يَشدُ مسامعي!!

بدأت أمعن النظر بإتجاه الصوت فإذا بي أرى رجلاً كبيراً في السن جالساً،والصوت يعلو قريبا منه لكنه غير آبه، إقتربت منه بخطواتٍ ثقيلة غير متداركة وكلي خوف من أن أقترب أكثر ، ثم عدت بخطواتي للوراء مختبئاً خلف سور الزقاق المنسي؛ وقفت هناك مُطولاً والرجل لا يحُرك ساكناً والصوت الغريب لا ينقطع؛

قررت حينها أن أقترب أكثر وسعيت نحو عمودٍ قريب لأختبىء خلفه، عمود قد آكلها الصدأ  وأهترئ حتى كاد  أن يقع فوق راسي؛ بدأت أنظر للرجل وكلي شوقٌ لمعرفة ما وراءه، فإذا بألة التصوير خاصتي تقع على الأرض دون عمد، إلتفت الرجل يميناً و يساراً ثم عاد سارحاً محدقاً  للأرض من جديد، لم أعرف حينها هل شاهدني ؟ أم أنه تجاهل وجودي الذي قد فضحه وقوع آلتي؟  

كانت كل هذه التساؤلات في عقلي تقيم حفلاً صاخباً ! ودهشتي التي رافقتني من ذاك الصوت قد أكلت ما تبقى من جسدي المتعب ، يا ترى ما السر وراء هذا الصوت ؟وما علاقة هذا الرجل العجوز به ؟ جلست بالمقعد قرب العمود المهترئ  وكلي أمل بأن ينهض ذاك الرجل لأعرف ماقصته ؟

 ربما سألحق به حينها وربما لا أدري ما أفعل لكنني الآن سأنتظر..

وعجبي أنه ما زال يجلس بنفس الطريقة

دون حركة، كانت يداه تمسكان شيئاً بقوة وكأنه يخبئ شيئاً عظيما آخر وينظر اليه نظرة العاشق الحزين الخائف على معشوقته من شيء، كان ينصت جيداً للصوت القريب جدا منه ويحُرك رأسه بين حين و آخر، حينها قتلني الفضول أكثر  وبدأت أصدر أصواتاً لأجذب إنتباه الرجل هناك  لكن ؛ دون فائدة كأنه في عالم آخر ما هذا الشيء الذي يجعله غير مهتم بكل ما يحدث حوله ؟ ما السر الذي يتشبث به بين يديه ؟

بدأت أتعمد أن أرفع من حدة الأصوات من جديد دون أي فائدة!

كنت سأقول ربما لا يسمع لو أنني لم أرَ إنشداده للصوت الذي لفت إنتباهي وإهتزاز رأسه بين الحين والآخر!

 أصبح الأمر فوق قدرتي على التحمل، علي الاقتراب أكثر منه لأدرك ما وراءه، ولأعرف سر هذا الصوت، تقدمت نحوه بخطوات أنهكت جسدي! نعم فكنت  أخطو على أطراف أصابعي ويدي تمسك فمي خوفاً من أن قاطع قصة العشق العجيبه تلك، هنا أصبحت خلفه مباشرة أسترق النظر، نظرإلي بطرف عينه ثم عاد لإهتمامه بالصوت، أصبحت اتسائل اكثر؟ لِمَ كل هذه اللامبالاة؟

اقتربت منه وجلست بمحاذاته لأتمعن هذا الذي يقف خلف كل تلك اللامبالاة، كل تلك الملامح الحزينة في وجهه وعينيه الذابلتين ولون بشرته المصبوغة بسنابل القمح وهذا النور ( الذي يبدو عليه من تصبغ شعره ولحيته).. قلت بنفسي إضافة لتساؤلاتي السابقة، لِمَ كل هذا الحزن في وجهه؟

تجرأ لساني على الحديث، فسألته يا جدي، لماذا تجلس وحيداً هنا وما الذي تمسك به؟وما هذا الصوت الغريب الذي يزداد حدة كلما إقتربت منك؟ وهنا خيم الصمت!

وإذا به قد وقف ليستعد للذهاب دون أن يقول شيئاً، وقفت أيضاً وكلي ذهول به ؟فكان مبتور القدم غير مبتور الأمل يمشي بقدمٍ واحدة مرتكزاً على عكازه وعجبي انهما زال ممسكاً بيده الأخرى ذاك الشيء، كنت أمشي خلفه دون وعي ففي كل خطوة يمشيها يزداد هذا الصوت في أذني، لم نسر الا قليلاً إلى أن وصلنا لمنزل قديم البناء، يبدو انه قد تآكل لم يتبقَ منه الإ بابه وبعض الحجارة التي بالكاد تتماسك! هو ينظر يميناً ويساراً، والصوت يعلو ويزداد..

ثم قال أنا أراكِ ، لماذا تُلاحقينني ؟

 أجبته دون أي إتزان للكلمات الخارجة مني لقد حرقني فضولي كشعلة من الجمر الملتهبة وتعبت من مراقبتك دون جدوى لأعرف السر وراء هذا الصوت، أرجوك أخبرني عن مصدره الذي يَشُدني ولا أستطيع حتى الآن أن أفهمه؟ نظر لي ثم هز برأسه وقال :

حسناً إذا ،ثم فتح يده التي كان يقبضُها جيداً وفتح يديّ ووضع بها مفتاح قديم مغطى بالصدأ، ثم إلتفت إلي، وطلب مني أن أضعه في الباب، ذاك الباب الذي كلما كنت أقترب منه يزداد وضوح الصوت الصادر منه أكثر ، بدأت بفتح الباب واذا بالصوت قد إختفى كانه لم يكن ابداً ……..

وهنا كانت صدمتي التي لم أعيها حقاً إلا بعد فوات الاوان؟؟

… كان ذاك الصوت الغريب هو ( أصوات الأجداد الذين هُجروا من سنين، أصوات الغائبين الذين أختفوا جراء الحروب ،أصوات أمهات الشهداء،  أصوات العائلات الذين يصرخون لضياع بيوتهم وعناوينهم وأصوات الأطفال التي إعتادت المرح هنا قبل أن تنهي رصاصات الاحتلال اللعينة حياتهم… و في الزاوية هناك صوت الضمير العربي النائم الذي خذلهم جميعهم ! !).. نظرت حولي لأخبر الرجل بما قد رأيت والدموع قد إمتزجت في ملامحي فلم أجده؟ فنظرت جيداً  بل وتراجعت خطوتين للوراء لأخبره ثم…. (بدأت أبكي بقوة حينها أدركت أن هذا الرجل الذي يسكن الطرقات بقدم واحدة ذاته الذي شارك في تلك الحرب وبُتّرت قدمه وأستشهد حينها ).

 نعم أيقنت وقتها انها  لا تزال أطيافهم وأصواتهم  في الطرقات المخفيه و المنسية تبحث عن من يعيد الحق والحياة لهم، و آنذاك الصمت وتلك الكتابات لم ولن تعيد شيئاً للوطن الا بذلك الصوت الخارج من نبض الصمت (ثورة صوت من أجل الوطن) ..