
يتسم سوق الأسمدة العالمي بتركيز عالٍ في الإنتاج، حيث تهيمن بضع دول، من بينها روسيا، على صناعة الأسمدة المرتبطة بالعناصر الثلاثة الرئيسية: النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم.
يُعد هذا القطاع أحد ركائز المهمة في ضمان الأمن الغذائي العالمي، ما يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز البعد التجاري.
الصين: أكبر منتج ومستهلك مع قيود على التصدير
تُعد الصين من كبار المنتجين في هذا المجال الحيوي، وهي أكبر منتج ومستهلك للأسمدة في العالم. فقد أنتجت في عام 2024 ما يقرب من 30.2 مليون طن من الأسمدة النيتروجينية، و13.2 مليون طن من الأسمدة الفوسفاتية. إلا أن جزءا كبيرا من هذا الإنتاج يُستهلك محليا، كما أن الصين تفرض منذ عام 2021 قيودا على تصدير الأسمدة النيتروجينية، ما يحد من المعروض العالمي.
روسيا: المرتبة الثانية عالمياً وقوة تصديرية
روسيا بدورها أنتجت في عام 2025 نحو 65.5 مليون طن من الأسمدة المعدنية، محتلةً بذلك المرتبة الثانية عالميا من حيث حجم الإنتاج. تمتلك روسيا الموارد اللازمة لإنتاج الفئات الثلاث الرئيسية: أسمدة النيتروجين، والفوسفور، والبوتاسيوم، وهي واحدة من أكبر الدول المصدرة لها في العالم، وقد لفت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخرا إلى أن قطاع إنتاج الأسمدة يعد من القطاعات الاقتصادية ذات التوجه التصديري، ويعمل ليس فقط لخدمة مصالح روسيا، وإنما أيضا لتلبية احتياجات العديد من الدول الشريكة والصديقة.
كندا والمغرب: تخصص في البوتاس والفوسفات
كندا هي الأخرى تُعد رائدةً منذ فترة طويلة في إنتاج وتصدير أسمدة البوتاس، بفضل احتياطياتها الغنية في مقاطعة “ساسكاتشوان”، وقد بلغ حجم إنتاجها من كلوريد البوتاسيوم في عام 2024 حوالي 25 مليون طن.
بلد عربي هو المغرب من بين الموردين الكبار للأسمدة الفوسفاتية للسوق العالمية، وذلك بفضل احتياطياته الضخمة من المواد الخام الفوسفاتية.
الولايات المتحدة والهند: منتجون ومستهلكون رئيسون
الولايات المتحدة هي أيضا منتج رئيس، وخاصة في قطاعي الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية. كما تدخل الهند هذه القائمة كمنتج ومستهلك مهم للأسمدة، وخاصة المنتجات القائمة على النيتروجين والفوسفور. في هذا المجال، تقدم الحكومة الهندية برامج دعم للقطاع الزراعي، ما يؤثر على الطلب على الأسمدة.
أزمة 2026: شح الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار
الجدير بالذكر أن سوق الأسمدة في عام 2026 يتسم بشحّ في الإمدادات، وضعف في القدرة على الشراء، ومخاطر عالية تتعلق بالأسعار. يُعزى السبب الرئيس في ذلك إلى التوقف الفعلي لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر بحري حيوي تمر عبره كميات ضخمة من تجارة الأسمدة، بما في ذلك نحو ثلث صادرات اليوريا العالمية. أدّى هذا الاضطراب إلى صدمة مفاجئة في الإمدادات يصعب تعويضها على المدى القريب.

تفاوت الأسعار حسب فئة الأسمدة
شهدت أسعار الأسمدة في جميع فئاتها الرئيسة ارتفاعا حادا، فقد ارتفع مؤشر البنك الدولي لأسعار الأسمدة بأكثر من 12% في الربع الأول من عام 2026، ومن المتوقع أن يسجل زيادة تتجاوز 30% على مدار العام بأكمله.
بالنسبة لأسمدة اليوريا (النيتروجين)، سجلت أسعارها أكبر قفزة، حيث تجاوزت 900 دولار للطن المتري وفقاً لبعض التقديرات، وهو ما يمثل زيادة تتراوح بين 80% و90% منذ فبراير 2026. كما ظلت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم فوق مستوى 800 دولار للطن، مدفوعة بضغوط تكاليف الإنتاج الناجمة عن ارتفاع أسعار الكبريت، بالإضافة إلى قيود التصدير التي تفرضها الصين.
البوتاس: وضع خاص وتوازن نسبي
قطاع البوتاس كان له وضع خاص، وقد اتسم بتوازن أكبر نسبيا؛ نظراً لأن سلاسل توريده تعتمد بدرجة أقل على المسارات البحرية المضطربة، مما جعل ارتفاع الأسعار فيه أكثر اعتدالا.
أسباب تفاقم أزمة الإمدادات
يعود تفاقم صدمة إمدادات الأسمدة المعدنية إلى عدة عوامل، منها أن إيران كانت إثر الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل قد أوقفت إنتاج الأمونيا، فيما علّقت قطر إنتاج اليوريا والأمونيا بعد تعرض منشآتها لأضرار. كما خفضت الهند في الوقت نفسه حجم إنتاجها نتيجة تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال. من جانب آخر، تواصل الصين – رغم كونها أكبر منتج – فرض قيود على صادراتها من الأسمدة، ما يضع ضغوطاً إضافية تدفع الأسعار العالمية نحو الارتفاع، لا سيما في قطاع الفوسفات.
توقعات السوق والمسار البطيء للتعافي
تشير توقعات السوق للفترة المتبقية من عام 2026 إلى استمرار مثل هذه الضغوط؛ ويُتوقع أن تظل الأسعار مرتفعة بشكل عام، مع تعرض الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية لأكبر مخاطر الارتفاع. على الرغم من توقع حدوث انفراج تدريجي بحلول عام 2027، مع تعافي التدفقات التجارية ودخول إمدادات جديدة إلى السوق، إلا أن الخبراء يرجحون أن مسار العودة إلى الأوضاع الطبيعية سيكون بطيئا.
هكذا، سيبقى المشهد في سوق الأسمدة العالمي على المدى الطويل متأثرا بتقلبات أسعار الطاقة، والتحولات في لوجستيات التجارة العالمية، وتزايد لجوء الدول المنتجة الرئيسة إلى فرض قيود على عمليات الاستيراد والتصدير. يظل هذا القطاع الحيوي مرهونا بتوازن دقيق بين الأمن الغذائي، والمصالح الاقتصادية، والاستقرار الجيوسياسي.
المصدر: روسيا اليوم (RT)



