Economy

ترامب يخسر رهان الاقتصاد.. وتكاليف المعيشة تعيد الديمقراطيين للواجهة

لماذا عاد الأميركيون إلى الديمقراطيين؟ الاقتصاد هو السبب

الأميركيون يعاقبون الجمهوريين بسبب الضغوط المعيشية (شترستوك)

لم تكن عودة الديمقراطيين إلى تحقيق مكاسب سياسية في انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 مفاجئة بالكامل، إذ عكست نتائج التصويت تنامي استياء الناخبين من الأوضاع الاقتصادية وتراجع قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة، رغم استمرار الاقتصاد الأميركي في تسجيل مؤشرات أداء قوية نسبياً.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب والجمهوريون في الكونغرس قد فازوا في انتخابات نوفمبر 2024 على أساس تعهدات بتحسين الاقتصاد، إلّا أن الأميركيين باتوا يشعرون بقلق أكبر بشأن أوضاعهم المالية بعد عامين من عودتهم إلى السلطة.

ورغم انخفاض معدل البطالة واستمرار مرونة الإنفاق الاستهلاكي، فإن عودة التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة والسكن والرعاية الصحية، إلى جانب تداعيات الحرب مع إيران، دفعت الناخبين إلى تحميل إدارة ترامب مسؤولية الضغوط الاقتصادية.

وقالت هيذر لونغ، كبيرة الاقتصاديين في اتحاد الائتمان الفيدرالي البحري، إن الانتخابات كانت ستبدو مختلفة تماماً لولا الحرب مع إيران.

تكاليف المعيشة تتصدر أولويات الناخبين

لم يتمكن الأميركيون بعد من التكيف مع الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات منذ عام 2021، رغم تباطؤ التضخم خلال العام الأخير من ولاية الرئيس السابق جو بايدن.

وكان الجمهوريون قد امتلكوا في بداية عام 2026 مؤشرات اقتصادية إيجابية، شملت تسجيل الاقتصاد الأميركي أفضل مكاسب شهرية للوظائف منذ عام 2024 في يناير، وعودة وظائف التصنيع إلى النمو للمرة الأولى خلال 14 شهراً، إلى جانب بدء وصول استردادات ضريبية أكبر إلى الأسر بموجب قانون الضرائب الذي أقره الجمهوريون.

كما تراجعت معدلات الرهن العقاري إلى أقل من 6% للمرة الأولى منذ 3 سنوات، وواصلت الأسهم الأميركية تسجيل مستويات قياسية مدفوعة بأسهم الذكاء الاصطناعي.

لكن اندلاع الحرب مع إيران أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود وعوائد السندات، ما دفع معدلات الرهن العقاري إلى الصعود بأسرع وتيرة لها منذ 3 سنوات.

وبعد 3 سنوات من نمو الأجور بوتيرة تفوق ارتفاع الأسعار، انعكس الاتجاه في مارس 2026، مع عودة التضخم إلى تقليص الدخل الحقيقي للعاملين.

الناخبون يحمّلون ترامب مسؤولية التضخم

أظهر استطلاع أجرته CNN في أكتوبر 2024 تفوق ترامب على نائبة الرئيس آنذاك كامالا هاريس بفارق 15 نقطة مئوية باعتباره المرشح الأفضل لإدارة الاقتصاد.

لكن تقييمات ترامب الاقتصادية تراجعت بصورة ملحوظة خلال ولايته الثانية، إذ بلغ صافي معدل الموافقة على أدائه الاقتصادي سالب 46 نقطة، وفق استطلاع CNN في أكتوبر 2026، مقارنةً بصافي موافقة الرئيس السابق بايدن البالغ سالب 31 نقطة في آخر استطلاع أجرته الشبكة قبل انسحابه من السباق الرئاسي.

وساهمت سياسات إدارة ترامب، بما في ذلك الرسوم الجمركية والقيود على الهجرة والحرب مع إيران، في زيادة الضغوط على تكاليف المعيشة.

وبحسب التقرير، أضافت أسعار الوقود نحو 75 دولاراً شهرياً إلى نفقات الأسر الأميركية، فيما ارتفعت أقساط التأمين الصحي المرتبطة ببرنامج «أوباما كير» بنسبة 58% في المتوسط بعد عدم تمديد الجمهوريين الإعانات المعززة.

كما زادت تكاليف الكهرباء بنسبة 8.7% خلال ولاية ترامب الثانية، وارتفعت تكاليف إصلاح السيارات بنسبة 12.3%، فيما صعدت تكاليف شركات بناء المنازل بنسبة 13.3%.

وقدرت مؤسسة الضرائب الأميركية أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب أضافت نحو 820 دولاراً إلى الضرائب التي تحملها متوسط الأسرة الأميركية خلال عام 2026.

وقال ستيفن دورلاف، الاقتصادي في جامعة شيكاغو، إن سوء إدارة التضخم خلال ولاية ترامب الثانية لا يمكن تبريره حتى إذا افترضنا أن إدارة بايدن السابقة أخطأت في التعامل مع الاقتصاد.

فجوة اقتصادية تحد من فرص الحلم الأميركي

ولا يقتصر الاستياء على التضخم، إذ يشعر عدد كبير من الأميركيين بأن الاقتصاد لم يعد يوفر لهم فرصاً كافية لتحسين أوضاعهم المعيشية.

وتعكس ظاهرة الاقتصاد على شكل حرف «K» اتساع الفجوة بين الأسر الأكثر ثراءً، التي تمتلك أصولاً مالية وعقارية تحميها من ارتفاع الأسعار، والأسر الأقل دخلاً التي تواجه صعوبة متزايدة في تغطية نفقاتها وتعتمد على دخلها الشهري.

كما أدى نقص المعروض من الإسكان وخدمات رعاية الأطفال إلى ارتفاع تكاليفهما، ما جعل تحقيق متطلبات الحياة المتوسطة أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الأميركيين.

وقال دورلاف إن «النموذج المثالي لحياة الطبقة الوسطى أصبح بعيد المنال بصورة متزايدة».

سوق العمل يفتقر إلى الفرص

ورغم استمرار قوة سوق العمل الأميركية نسبياً، فإنه لم يعد يشهد طفرة التوظيف التي ميزت السنوات الأولى بعد جائحة كورونا.

ولم تصبح عمليات التسريح الجماعي ظاهرة واسعة النطاق، لكن الباحثين عن وظائف يواجهون صعوبة في الحصول على فرص جديدة، مع شعور بأن طلبات التوظيف لا تصل إلى نتائج ملموسة.

وقالت لونغ إن وصف سوق العمل بأنه منخفض التوظيف ومنخفض التسريح يمكن التعبير عنه أيضاً بأنه «سوق يفتقر إلى الفرص».

وفي ظل هذه الظروف، يشعر كثير من الأميركيين بأنهم عالقون اقتصادياً، وهو ما ساهم في تراجع دعمهم للجمهوريين خلال انتخابات التجديد النصفي.

تأتي التحولات السياسية في الولايات المتحدة وسط تباين بين المؤشرات الاقتصادية الكلية وتجربة الأسر اليومية. فبينما لا يزال الاقتصاد يسجل مستويات منخفضة نسبياً من البطالة ويحافظ على قوة الإنفاق الاستهلاكي، تواجه الأسر ضغوطاً متزايدة من ارتفاع الأسعار وتكاليف السكن والطاقة والرعاية الصحية.

ويشير التقرير إلى أن الناخبين لا يقيمون الاقتصاد بناءً على معدلات النمو أو البطالة فقط، بل وفق قدرتهم على تحمل النفقات وتحقيق الاستقرار المالي، وهو ما جعل تكاليف المعيشة عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاهات التصويت خلال انتخابات 2026.

(ديفيد غولدمان، CNN)

Leave a Reply