Business

استعادة العقارات المغصوبة في سوريا.. أي دعوى يرفع المالك لاسترداد حقه؟

photo 2026 09 09 15 31 50 استعادة العقارات المغصوبة في سوريا.. أي دعوى يرفع المالك لاسترداد حقه؟

يشكل ملف العقارات المغصوبة في سوريا أحد أكثر الملفات القانونية تعقيداً، نتيجة ‏النزوح والتهجير وفقدان الوثائق، وتعدد أشكال الاعتداء على الملكية، من الإشغال ‏دون حق إلى التسجيل أو البيع بموجب وثائق مزورة أو غير مكتملة.‏

وتتعدد الدعاوى القضائية التي يمكن لمالك العقار المغصوب أو المتصرف به دون ‏حق اللجوء إليها، بحسب طبيعة الاعتداء ووضع العقار وسند الملكية، فيما خصصت ‏وزارة العدل محاكم ودوائر قضائية للنظر في هذه المنازعات وتسريع حسمها.‏

ولمعالجة هذا الملف، أصدرت وزارة العدل في تشرين الأول 2025 قراراً كلفت ‏بموجبه محاكم البداية المدنية الثانية في مراكز العدليات، ومحاكم الاستئناف المدنية ‏الثانية، بالنظر في منازعات الاستيلاء على العقارات أو التلاعب بملكيتها التي ‏حصلت استغلالاً لظروف الثورة السورية، مع نقل الدعاوى القائمة إلى المحاكم ‏المختصة وتقصير المدد الإجرائية ما أمكن دون الإخلال بحق الدفاع المشروع.‏

وفي تصريحات لـ”سانا”، رأى خبراء قانونيون أن معالجة الملف العقاري تحتاج إلى ‏رؤية شاملة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: توثيق الحقوق، وتبسيط إجراءات ‏الإثبات، وإنشاء آليات خاصة للعدالة الانتقالية تتناسب مع خصوصية المرحلة ‏السورية، مع الحفاظ على دور القضاء كجهة أساسية للفصل في النزاعات.‏

تعقيدات الملف العقاري بعد الحرب

ويشير نقيب المحامين في سوريا محمد علي الطويل إلى أن تعقيد الملف لا يعود ‏فقط إلى كثرة النزاعات، وإنما إلى تشابك الحالات القانونية داخل العقار الواحد، فقد ‏يكون هناك مالك أصلي أو ورثة أو واضع يد أو شاغل جديد، إضافة إلى عقود غير ‏مسجلة أو وثائق مفقودة.‏

فيما يؤكد الخبيران القانونيان محمد أبو جعفر ورغيد دياب أن المعيار الأساسي هو ‏وجود سند قانوني من عدمه، فإذا كان الشخص يشغل العقار دون علم المالك أو دون ‏أي وثيقة تثبت حقه، فإن الحالة تقترب من غصب العقار، أما إذا كان لديه عقد أو ‏وثيقة أو قيد رسمي، فإن النزاع ينتقل غالباً إلى المجال المدني باعتباره خلافاً حول ‏الملكية أو صحة التصرف القانوني.‏

طرد الغاصب أم منع المعارضة أم استرداد الحيازة؟

وتتعدد الدعاوى التي يمكن للمالك اللجوء إليها بحسب ظروف كل حالة، حيث يوضح ‏أبو جعفر أن دعوى طرد الغاصب تكون عندما يكون لدى المالك سند ملكية واضح، ‏بينما لا يملك الشخص الموجود في العقار أي سند قانوني، مشيراً إلى أنه على ‏المالك قبل ذلك استخراج سند ملكية من السجل العقاري ووضع إشارة دعوى على ‏صحيفة العقار لمنع أي تصرف جديد به خلال فترة التقاضي.‏

أما دعوى استرداد الحيازة فتستخدم عندما يفقد المالك حيازته للعقار ويريد استعادتها ‏ضمن المدة القانونية المحددة، في حين تكون دعوى منع المعارضة مناسبة عندما ‏يكون المالك صاحب حق ثابت، لكنه يواجه شخصاً ينازعه في استخدام العقار أو ‏يدعي وجود حق عليه.‏

ويلفت دياب إلى أن الخط الفاصل بين هذه الدعاوى مرتبط بالسبب الذي أدى إلى ‏فقدان السيطرة على العقار، فالشخص الذي وضع يده دون إذن أو سند يختلف قانونياً ‏عن شخص يستند إلى وثائق تحتاج إلى الطعن أو الإبطال.‏

التزوير ونقل الملكية.. نزاع مدني أم قضية جزائية؟

وتظهر حالات أكثر تعقيداً عندما يكتشف المالك أن عقاره لم يعد مسجلاً باسمه، ‏وإنما انتقلت ملكيته إلى شخص آخر، وفي هذا السياق يبين دياب أن هذه الحالات ‏تحتاج إلى التمييز بين المالك الجديد حسن النية، الذي اشترى العقار دون علم بوجود ‏مشكلة في مصدر الملكية، وبين من حصل على العقار عن طريق التزوير أو ‏الاحتيال.‏

ويوضح دياب أنه في حال وجود وثائق مزورة أو تسجيل تم بناءً على مستندات غير ‏صحيحة، فإن الطريق يكون عبر دعاوى إبطال التسجيل وإعادة القيد إلى المالك ‏الحقيقي، إضافة إلى ملاحقة مرتكبي التزوير جزائياً، أما إذا كان الشخص الجديد ‏يحمل عقداً أو مستندات يعتقد بصحتها، فإن النزاع يتحول إلى قضية مدنية تحتاج ‏إلى دراسة الوثائق والأدلة من قبل المحكمة.‏

فقدان الأوراق لا يسقط الحق

وبحسب الخبراء، يعد فقدان الوثائق خلال سنوات الحرب أحد أكبر التحديات التي ‏تواجه أصحاب العقارات، إلا أن فقدان المستندات لا يعني سقوط الملكية.‏

ويؤكد الطويل ضرورة إعادة بناء الإثبات العقاري من خلال مجموعة واسعة من ‏الأدلة، تشمل قيود السجل العقاري، والوثائق الرسمية، والقيود المالية والضريبية، ‏والوكالات، وأحكام القضاء السابقة، وبيانات حصر الإرث، إضافة إلى الخبرة ‏والكشف والقرائن التي تقبلها المحكمة.‏

ويشير إلى أن حماية حقوق الغائبين والنازحين تتطلب إنشاء آليات لاستعادة الوثائق ‏وإعادة تكوين الملفات العقارية، لمنع استغلال غياب أصحاب الحقوق.‏

القضاء والعدالة الانتقالية.. مساران متكاملان

ويرى الطويل أن معالجة ملف العقارات الناتج عن الحرب لا يمكن أن تعتمد على ‏القضاء التقليدي وحده، نظراً لحجم القضايا وتعقيدها، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ‏أن أي آليات استثنائية يجب ألا تلغي دور القضاء أو تتجاوز اختصاصه.‏

ويتقاطع ذلك مع رؤية الخبيرين أبو جعفر ودياب اللذين يؤكدان ضرورة وجود مسار ‏متكامل يجمع بين المحاكم المختصة وآليات خاصة ضمن إطار العدالة الانتقالية، ‏تتولى حصر المطالبات وتوثيقها والتحقيق الأولي فيها، مع ترك الفصل النهائي في ‏الملكية والنزاعات الجوهرية للقضاء.‏

ويتفق الخبراء الثلاثة على أن الهدف من معالجة الملف العقاري لا يقتصر على ‏إعادة منزل أو أرض إلى صاحبها، وإنما إعادة الاستقرار إلى الملكية العقارية عبر ‏حماية حقوق المالكين والمهجرين والورثة، وتحقيق توازن بين حقوق أصحاب ‏الملكيات الأصلية وحقوق من نشأت لهم مصالح لاحقة بحسن نية.‏

Leave a Reply