
جفاف أنهار أوروبا يربك النقل ويرفع تكاليف الشحن
أدى الانخفاض الاستثنائي في منسوب الأنهار بأوروبا، التي تعاني بشدة من الجفاف وموجات الحر القياسية، إلى اضطرابات كبيرة في قطاع النقل هذا الصيف، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف قد يتحملها المستهلكون في نهاية المطاف.
وتعاني الأنهار الرئيسية في القارة، التي تُعد الأسرع احترارًا على كوكب الأرض، من نقص مستمر في المياه، ويربط العلماء ذلك بشكل مباشر بتغير المناخ.
أزمة حادة على نهر الراين
يُعد الوضع حرجًا بشكل خاص في ألمانيا على نهر الراين، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لشبكة النقل المائي الداخلي في أوروبا.
وقال متحدث باسم شركة ميرسك، عملاق الشحن الدنماركي: «الوضع غير مسبوق. اليوم، لم يعد بالإمكان الوصول إلى معظم الموانئ الداخلية على طول نهر الراين بواسطة البارجات».
واتفقت جمعية كليكات، وهي جمعية أوروبية تمثل وكلاء الشحن، على أن «أشد الاضطرابات كانت على نهر الراين».
وأفادت التقارير بأن منسوب المياه في كاوب، وهي نقطة اختناق مرورية حيوية على النهر، انخفض إلى نحو 6 سنتيمترات (2.4 بوصة) في 14 أغسطس/آب، متجاوزًا بذلك أدنى مستوى قياسي سابق بلغ 25 سنتيمترًا في عام 2018.
وقالت جمعية كليكات إن آثار انخفاض المنسوب «تظهر على طول الممر الصناعي الرئيسي الممتد من روتردام»، مضيفة أن «الأوضاع قاسية أيضًا في أجزاء من نهر الدانوب، ولا سيما في صربيا والمجر ورومانيا».
ويتمثل أحد البدائل أمام شركات النقل في تحويل أكبر قدر ممكن من البضائع من الأنهار إلى القطارات أو الشاحنات.
وقالت شركة كونترجو للنقل: «الهدف هو تقليل المسافات المقطوعة في نهر الراين قدر الإمكان».
لا توجد بدائل سهلة
لكن فرص استخدام السكك الحديدية والطرق محدودة.
وقدّر جان لوران كيستلر، مدير التطوير في هيئة الممرات المائية الفرنسية (VNF) في ستراسبورغ، حيث يشكل نهر الراين الحدود مع ألمانيا، أن نقل حمولة بارجة واحدة يتطلب ما بين 100 و200 شاحنة.
لكن العديد من المنتجات التي تُنقل بكميات كبيرة، مثل المواد الكيميائية والهيدروكربونات ومواد البناء والحبوب، لا يمكن نقلها بسهولة باستخدام الحاويات.
وقالت هيئة الممرات المائية الفرنسية في ستراسبورغ إن حمولة السفن في نهر الراين انخفضت من متوسط يبلغ 1500 طن إلى 400 طن فقط في أغسطس/آب.
وأشارت جمعية كليكات إلى أن انخفاض منسوب النهر أدى بالفعل إلى «ارتفاع تكاليف النقل، وتأخيرات، وتأجيل الشحنات، وانخفاض مرونة الإنتاج».
وقال ألكسندر شاربنتييه، أخصائي النقل في شركة رولاند بيرغر الاستشارية، إن السفن «تضطر إلى الإبحار بحمولات أخف من المعتاد لتقليل غاطسها»، في إشارة إلى عمق الجزء الغارق من السفينة في المياه.
وأضاف: «مع بقاء التكاليف الثابتة على حالها، يؤدي ذلك إلى زيادات كبيرة جدًا في تكلفة الوحدة».
رسوم إضافية تتجاوز ألف يورو
ويحمّل المشغلون هذه التكاليف الإضافية للعملاء من خلال فرض رسوم مرتبطة بانخفاض منسوب المياه، والتي ترتفع تدريجيًا مع استمرار تراجع مستويات الأنهار.
وبحسب أسعار شركة كونترجو، تجاوزت هذه الرسوم 1000 يورو (1170 دولارًا) لكل حاوية في المناطق الأكثر تضررًا، مثل كاوب وكولونيا.
وقال بيير كوسارت، مدير شركة سوجيستران للخدمات اللوجستية: «يمكن أن تتضاعف هذه الرسوم بسرعة بالنسبة لشحن الحاويات، وتكون أشد وطأة بالنسبة للشحنات السائبة».
هل تنتقل التكاليف إلى المستهلكين؟
ووفقًا لجمعية كليكات، فإن «مدى انعكاس ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية بشكل ملموس على أسعار المستهلكين يعتمد على مدة الاضطراب، ونوع السلعة، وقدرة الشركات على استيعاب التكاليف أو تحميلها».
لكن الجمعية أشارت إلى أن «النقل، بالنسبة للعديد من السلع السائبة، يمثل عنصرًا مهمًا في سعر التسليم، لذا فإن الزيادات المستمرة ستؤثر في نهاية المطاف على المراحل اللاحقة من سلسلة التوريد».
وقال شاربنتييه إنه من السابق لأوانه التنبؤ بمدى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين، لكنه حذّر من أن استيعاب الشركات لهذه التكاليف الإضافية بالكامل سيكون أمرًا صعبًا.
الجفاف يفرض حلولًا جديدة
مع توقعات بزيادة موجات الجفاف مستقبلًا، يعوّل مشغلو النقل على سفن أكثر ملاءمة للظروف منخفضة المياه، إلى جانب زيادة النقل متعدد الوسائط، أي الاعتماد بشكل أكبر على القطارات والشاحنات.
لكن القدرة على مواجهة هذه الظروف تعتمد أيضًا على إدارة المياه، وفقًا لكيستلر من هيئة الممرات المائية الفرنسية.
وبينما أنشأت فرنسا سلسلة من الخزانات وقنوات التحويل على طول الجزء التابع لها من نهر الراين لإدارة تدفقات المياه، يجري النهر بحرية على الجانب الألماني ويعتمد بدرجة كبيرة على هطول الأمطار.
وقال كيستلر إن عدد السفن ارتفع من 10 سفن يوميًا إلى 25 سفينة يوم الأربعاء، بينها 14 سفينة محملة، مضيفًا أن هذا العدد «لا يزال بعيدًا عن الحمولة المثلى»، وأضاف: «هذا لا يحل المشكلة».
(رويترز)



