Economy

هل تستطيع أميركا خفض أسعار الوقود من دون زيادة إنتاج النفط؟

اختبار خفض أسعار الوقود يربك الحسابات الأميركية

تملك واشنطن أدوات قد تمنح المستهلك الأميركي بعض الراحة عند المضخة من دون استخراج برميل إضافي، لكنها لا تستطيع إلغاء أثر أزمة عالمية في الوقود، فالمصافي الأميركية تعمل قرب حدودها التشغيلية، بينما تتركز المشكلة في نقص طاقة التكرير، وتراجع المخزونات، وتعطل الإمدادات الخارجية، وصعوبة نقل الوقود بين مناطق البلاد ذات المواصفات المختلفة؛ لذلك، قد تخفض الإجراءات الحكومية الأسعار ببضعة سنتات، لكنها لن تعيد البنزين سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب مع إيران.

مصافٍ تعمل عند السقف

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن الإدارة ستعلن خلال أيام خطوات لمساعدة المصافي على زيادة الإنتاج، بعدما تجاوز متوسط سعر البنزين العادي 4.06 دولار للغالون، بزيادة تقارب 30% على أساس سنوي، لكن بيانات إدارة معلومات الطاقة تكشف ضيق هامش المناورة، فالمصافي عالجت نحو 17.2 مليون برميل يومياً في الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس آب، مع معدل تشغيل بلغ 96.2%، وهو مستوى يصعب الحفاظ فوقه طويلاً من دون زيادة مخاطر الأعطال أو تأجيل الصيانة الضرورية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ويمنح ارتفاع الأسعار الشركات بالفعل أقوى حافز تجاري للإنتاج، فقد تجاوز هامش تكرير الديزل الأميركي 100 دولار للبرميل للمرة الأولى، بينما هبطت مخزونات نواتج التقطير إلى أدنى مستوى موسمي منذ 1996.

وبحسب خبراء استطلعت رويترز آراءهم هذا يعني أن المشكلة ليست افتقار المصافي إلى الرغبة في العمل، بل محدودية الوحدات القادرة على إنتاج الديزل منخفض الكبريت والبنزين بالمواصفات المطلوبة، بالتزامن مع تراجع إنتاج مصافي الشرق الأوسط وروسيا.

الخام موجود.. لكن تحويله هو العقدة

لا تبدو الولايات المتحدة أمام نقص فوري في النفط الخام، فقد قفزت المخزونات التجارية 17.4 مليون برميل إلى 424.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 7 أغسطس آب، مع ارتفاع الواردات وتراجع الصادرات، فيما استقر الإنتاج المحلي قرب 13.8 مليون برميل يومياً، لكن امتلاك الخام لا يساوي امتلاك البنزين؛ فالبرميل يجب أن يمر بوحدات تقطير وتكسير ومعالجة قبل أن يصبح وقوداً صالحاً للبيع.

وانكمشت القاعدة الصناعية نفسها، حيث أغلقت مصفاة ليونديل باسل في هيوستن، بطاقة تقارب 264 ألف برميل يومياً، ومصفاة فيليبس 66 في لوس أنجلوس، بطاقة نحو 139 ألف برميل يومياً، ما محا قرابة 400 ألف برميل يومياً من القدرة التشغيلية خلال 2025.

وبحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يرى الخبراء أنه لا يمكن تعويض هذا النقص خلال أشهر؛ إذ يتطلب بناء مصفاة أو توسعة كبيرة مليارات الدولارات، وسنوات من التراخيص والإنشاء، وسط شكوك بشأن الطلب طويل الأجل في عصر السيارات الكهربائية.

مواصفات الوقود تقسم السوق

ويرى خبراء الطاقة أن أسرع خيار أمام الإدارة هو تمديد إعفاءات وكالة حماية البيئة، التي تسمح ببيع بنزين يحتوي على إيثانول بنسبة تصل إلى 15%، وتخفف مؤقتاً قيود تطاير الوقود الصيفي، وتتجاوز بعض مواصفات البنزين الخاصة بالولايات.

ويتيح توحيد المواصفات للمصافي إنتاج دفعات أكبر، ويسمح بإرسال الوقود إلى مناطق أكثر بدلاً من تصنيع خلطة منفصلة لكل سوق.

وترى وكالة حماية البيئة الأميركية أن هذا المسار لا يخلق طاقة تكرير جديدة، كما أن له تكلفة بيئية وتجارية؛ فتخفيف معايير التطاير قد يزيد انبعاثات الضباب الدخاني، بينما يؤدي رفع نسبة الإيثانول إلى تحويل جزء أكبر من محصول الذرة إلى الوقود، بما قد يرفع تكاليف الأعلاف والغذاء.

وقد تتحمل المصافي أيضاً تكلفة شراء أرصدة الوقود المتجدد أو تعديل عمليات المزج، قبل تمرير جزء منها إلى المستهلك.

الوقود عالق في المكان الخطأ

ويقول الخبراء أن العقبة الثانية تتمثل في النقل، حيث يتركز فائض التكرير في ساحل الخليج، بينما تعتمد مناطق من الساحل الشرقي والغربي على الواردات بسبب ضعف الروابط عبر خطوط الأنابيب.

ومددت إدارة ترامب إعفاءً من «قانون جونز»، الذي يقصر الشحن بين الموانئ الأميركية على سفن مبنية ومسجلة ومشغلة أميركياً، بما يسمح لناقلات أجنبية أرخص بنقل الوقود محلياً.

وأظهرت التجربة أن تأثير الإعفاء محدود؛ فقد نقلت السفن المستفيدة نحو 84 ألف برميل يومياً فقط، مقارنة باستهلاك أميركي للبنزين يقترب من 9 ملايين برميل يومياً.

وقدّر مختصون أن زيادة توافر الناقلات قد تخفض سعر الجالون ببضعة سنتات فحسب، فضلاً عن أن الكلفة ستقع على شركات الشحن الأميركية وعمالها إذا فقدوا حصة من السوق، وفق رويترز.

من يدفع ثمن الإنقاذ؟

يمكن للحكومة أيضاً منح المصافي إعفاءات تنظيمية، أو ضمانات قروض لتوسعة الوحدات، أو حوافز لتأجيل الإغلاقات والصيانة، لكن الإعفاءات تنقل جزءاً من التكلفة إلى البيئة والمجتمعات المحيطة، والدعم المالي ينقلها إلى دافع الضرائب، بينما قد يؤدي الضغط لتشغيل المنشآت فوق مستوياتها الطبيعية إلى أعطال لاحقة تفاقم نقص الإمدادات، أما السحب من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي فيضيف خاماً إلى سوق لا يفتقر إليه حالياً، ولا يحل اختناق التكرير، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

ويرى خبراء أسواق الطاقة أن الولايات المتحدة الأميركية تستطيع خفض الأسعار من دون زيادة إنتاج النفط، لكن بصورة محدودة ومؤقتة، عبر توحيد مواصفات البنزين، وتسهيل مزج الإيثانول، وتحسين حركة الناقلات، وتوجيه الخام والمنتجات إلى المناطق الأكثر احتياجاً، أما الانخفاض الكبير والمستدام فيتطلب تعافي المصافي العالمية، وعودة حركة هرمز، وزيادة طاقة التكرير والمخزونات؛ وهي عوامل لا تستطيع واشنطن صناعتها بقرار تنفيذي سريع، وفق ما نقلته رويترز وفايننشال تايمز.

Leave a Reply