International

بعد قرار سحب آلاف الجنود من ألمانيا… هل بدأ العد التنازلي لإخلاء القواعد الأمريكية في أوروبا؟

تشهد العلاقة بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) مرحلة توتر متصاعد، في ظل تحركات لافتة للإدارة الأمريكية تمزج بين التصعيد السياسي وإعادة رسم أولويات الانتشار العسكري.

وفي أحدث تطور، أعلنت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) سحب 5000 جندي من ألمانيا، في خطوة ينظر إليها على أنها جزء من مقاربة أوسع يتبناها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تقوم على إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وربطه مباشرة بملفات الخلاف السياسي والاقتصادي مع الحلفاء.

ويأتي هذا القرار في سياق سلسلة من التصريحات والسياسات التي اتسمت بالضغط على الدول الأوروبية، سواء عبر التلويح بفرض رسوم جمركية أو إعادة النظر في التزامات الدفاع المشترك داخل “الناتو”، إلى جانب انتقادات متكررة لسياسات بعض العواصم الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بالأمن الإقليمي والحرب في إيران.

وبحسب معطيات عسكرية، فإن ألمانيا تستضيف وحدها ما بين 35 إلى 40 ألف جندي أمريكي، وتشكّل مركزا محوريا للقيادة الأوروبية والأفريقية الأمريكية، ما يجعل أي تقليص كبير في الوجود هناك خطوة ذات انعكاسات استراتيجية واسعة.

وقال وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، أمس الجمعة، إنه لا يرى أي شروط مسبقة لسحب القواعد العسكرية الأمريكية الرئيسية من الأراضي الألمانية، ولكنه أقرّ بوجود تحركات عسكرية معينة.

وأضاف في مقابلة مع قناة “NTV” الألمانية ردا على سؤال حول ما إذا كان ترامب قد يسحب القوات من ألمانيا، ويغلق قاعدة رامشتاين الجوية إذا لزم الأمر: “لا، هذا أمر مستبعد تماما، تحتاج الولايات المتحدة إلى رامشتاين ليس للدفاع عن أوروبا، بل لكي تتمكن من العمل في أفريقيا وآسيا، وربما إيران… قد تكون هناك بعض التحركات العسكرية، ونحن نتقبل ذلك بهدوء”.

وتابع أن أمريكا أوضحت بالفعل رغبتها في التركيز بشكل أكبر على منطقة المحيط الهادئ، ومضى فاديفول: “يجب أن نتحمل المزيد من المسؤولية؛ يجب أن نعزز موقفنا”.

ويمتد الجدل ليشمل مستقبل القواعد الأمريكية في دول أخرى، مثل إيطاليا وإسبانيا، حيث تنتشر قوات أمريكية في مواقع تعتبر حيوية للعمليات في البحر المتوسط وأفريقيا.

وتستضيف إيطاليا نحو 13 ألف جندي أمريكي في عدة قواعد بحرية وجوية، بينما تتمركز في إسبانيا آلاف القوات في قواعد روتا ومورون ذات الاستخدام المشترك، والتي تعد نقاط ارتكاز رئيسية للأسطول السادس الأمريكي، وهذا التوزيع يجعل أي تغيير في الوجود العسكري الأمريكي داخل أوروبا مؤشرا على تحول أوسع في العقيدة الانتشارية لواشنطن.

وأعرب وزير الدفاع الإيطالي، غيدو كروسيتو، أمس الجمعة، عن شكوكه في سحب أمريكا لقواتها من البلاد، وذلك بعدما صرح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 30 نيسان/ أبريل 2026، بأنه سيدرس سحب قوات بلاده من إيطاليا وإسبانيا، كما أشار إلى أن روما لم تقدم أي مساعدة لواشنطن.

وقال كروسيتو في مقابلة مع صحيفة “ريبوبليكا” الإيطالية: “لا أعتقد أن ترامب سيفعل ذلك، ولا أفهم دوافعه”.

وتشير تقديرات إلى أن إجمالي القوات الأمريكية في أوروبا يتجاوز 68 ألف جندي، يتمركز أكثر من نصفهم في ألمانيا وحدها، وهو ما يبرز حجم الاعتماد الأمريكي التاريخي على القارة الأوروبية كنقطة انطلاق للعمليات العسكرية العالمية منذ نهاية الحرب الباردة، بما في ذلك العراق وأفغانستان ومؤخرا إيران، غير أن الاتجاه الحالي داخل دوائر القرار في واشنطن، وفق تسريبات وتقارير إعلامية، يميل نحو إعادة توجيه الجهد العسكري الأمريكي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأمريكا اللاتينية، باعتبارها أولويات استراتيجية جديدة.

وفي المقابل، يثير هذا التحول المحتمل مخاوف واسعة داخل أوروبا من تداعيات أمنية مباشرة، أبرزها إضعاف الردع في مواجهة روسيا خاصة في شرق القارة، إلى جانب احتمالات اهتزاز مبدأ الدفاع المشترك الذي يشكل أحد أعمدة “الناتو”، كما يفتح الباب أمام نقاش أوروبي متسارع حول ضرورة تعزيز الاستقلال الدفاعي، في وقت ارتفع فيه الإنفاق العسكري الأوروبي إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، وسط خطط لتطوير صناعات الدفاع الجوي والصواريخ والقدرات اللوجستية.

ورغم ذلك، فإن تنفيذ انسحاب واسع النطاق يواجه تحديات قانونية وسياسية داخل أمريكا نفسها؛ إذ تفرض تشريعات سابقة قيودا على خفض أعداد القوات أو الانسحاب من الحلف دون موافقات من الكونغرس، إلى جانب تحذيرات من كلفة إعادة الانتشار وتعقيداته اللوجستية.

Leave a Reply