
في لحظة شد وجذب وترقب وكلام ممزوج بالتهديد والوعيد وحبست الأنفاس، أعلنت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل للسلام فوز المناضلة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بجائزة نوبل للسلام لعام 2025، تقديرًا لدورها البارز في النضال السلمي من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في فنزويلا، ولثباتها أمام القمع السياسي ومحاولاتها المتواصلة لتوحيد صفوف المعارضة.
وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي في العاصمة النرويجية أوسلو، لتتوج ماتشادو واحدة من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل في أمريكا اللاتينية بجائزة لطالما كانت عنوانًا للنضال الإنساني العالمي.
الاختيار المفاجئ والرمزية السياسية
أشادت لجنة نوبل في بيانها بـ “شجاعة ماريا كورينا ماتشادو في مواجهة الاستبداد، وسعيها لتحقيق الانتقال السلمي نحو الديمقراطية رغم التهديدات المتكررة والإقصاء السياسي”، مؤكدة أن “نضالها يعكس القيم الجوهرية للجائزة التي أسسها ألفريد نوبل، وهي الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية”.
اختيار ماتشادو جاء مفاجئًا للعديد من المراقبين الذين توقعوا أن تذهب الجائزة إلى شخصيات أو منظمات تعمل على تسوية الصراع في أوكرانيا أو غزة، إلا أن لجنة نوبل اختارت منح الضوء لرمزٍ من أمريكا اللاتينية “يمثل الأمل في التغيير السلمي داخل الأنظمة المغلقة”.
ترامب في الخلفية: حملة ضغط على نوبل
لم يخلُ المشهد من الجدل، إذ سبق إعلان الجائزة حملة مكثفة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي سعى علنًا خلال الأشهر الماضية إلى الفوز بالجائزة، زاعمًا أنه “الأكثر استحقاقًا لجائزة السلام في التاريخ الأمريكي الحديث”.
حملة علنية وضغوط غير مسبوقة
وفقًا لتقارير صحفية دولية (من بينها رويترز وواشنطن بوست)، كثّف ترامب من تصريحاته خلال شهر سبتمبر الماضي مؤكدًا أن “إنجازاته في السياسة الخارجية” — من بينها اتفاقات الشرق الأوسط السابقة ومحاولات وساطة في الصراع الروسي الأوكراني — تجعله المرشح “المنطقي والطبيعي” للجائزة.
كما نقلت وسائل إعلام نرويجية عن مصادر مقربة من لجنة نوبل أن ضغوطًا دبلوماسية أمريكية غير مباشرة مورست على بعض الدوائر السياسية في أوسلو، في محاولة لتليين الموقف تجاه ترشيحه.
غير أن اللجنة نفت وجود أي تواصل رسمي من الإدارة الأمريكية أو من ممثلين عن ترامب، مؤكدة أن “عملية الاختيار تجري بسرية تامة واستقلال كامل”.
رد فعل اللجنة النرويجية
رئيس اللجنة النرويجية، يورغن واتن فريدنس، قال في المؤتمر الصحفي عقب الإعلان إن اختيار ماريا كورينا ماتشادو “تم بعد مراجعة دقيقة للقيم الإنسانية التي تجسدها الجائزة، وليس استجابة لأي ضغوط أو حسابات سياسية”.
وأضاف فريدنس:
“نحن ندرك تمامًا حجم الاهتمام الإعلامي والسياسي الذي رافق الجائزة هذا العام، لكننا نتمسك بمبدأ أن نوبل للسلام ليست جائزة نفوذ، بل تقدير لتاريخ من التضحية والالتزام بالسلام.”
رد فعل ماريا كورينا ماتشادو
في أول تصريح لها عقب إعلان الفوز، قالت ماتشادو عبر حسابها على منصة X (تويتر سابقًا):
“هذه الجائزة ليست لي وحدي، بل لكل الفنزويليين الذين لم يفقدوا الأمل رغم الظلم. إنها لحظة تذكير بأن الحرية تستحق النضال، حتى وإن بدا الطريق طويلًا.”
وأضافت أن الجائزة “توجه رسالة إلى الأنظمة التي تعتقد أن القمع يُخمد الشعوب — لكنه في الحقيقة يشعل روحها أكثر.”
ردود الفعل العالمية
البيت الأبيض رحب بالجائزة واصفًا إياها بأنها “تكريم مستحق لامرأة شجاعة واجهت الديكتاتورية بإصرار وسلمية”.
الاتحاد الأوروبي أشاد باختيار ماتشادو، معتبرًا أن “رسالتها تمثل صوتًا قويًا لكل الشعوب التي تكافح من أجل الديمقراطية.”
في المقابل، انتقدت الحكومة الفنزويلية القرار ووصفت الجائزة بأنها “مسيسة وتخدم أجندة غربية”.
أما ترامب فقد علّق عبر منصته Truth Social قائلاً:
“لقد تجاهلت لجنة نوبل أعظم صانع سلام في العالم. هذا القرار مسيس تمامًا. العالم كله يعرف من يستحق الجائزة حقًا.”
تصريحه أثار سخرية بين المعلقين، فيما رأى آخرون أن الحملة التي شنها ضد اللجنة قد تأتي بنتائج عكسية على سمعته الدولية.
تحليل: بين السياسة والمبدأ
يرى مراقبون أن فوز ماريا كورينا ماتشادو يرمز إلى عودة لجنة نوبل إلى جذورها الإنسانية، بعد أعوام من الجدل حول قرارات ذات طابع سياسي، مؤكدين أن اللجنة اختارت هذه المرة “الضمير الإنساني على حساب الضجيج الإعلامي”.
كما يشير بعض المحللين إلى أن ضغط ترامب للحصول على الجائزة أعاد تسليط الضوء على أهمية استقلال اللجنة، التي واجهت امتحانًا حقيقيًا لقدرتها على مقاومة التأثيرات السياسية المباشرة من أقوى الدول.
المهم بالأمر، بفوز ماريا كورينا ماتشادو، تُثبت جائزة نوبل للسلام أنها لا تزال منصة تمنح صوتًا للذين يدافعون عن الحرية في مواجهة القمع، وتعيد التأكيد على أن السلام ليس اتفاقًا بين الحكومات، بل مقاومة دائمة داخل ضمير الإنسان.
بذات اللحظة، الذي يستمر ترامب من خلالها في حملته الإعلامية لانتزاع اعتراف عالمي، يبدو أن اللجنة النرويجية اختارت هذه المرة صوتًا أكثر هدوءًا، لكنه أكثر صدقًا.



