Arabic

جورج إبراهيم عبد الله يعود إلى بيروت بعد أربعة عقود من السجن في فرنسا

بعد أربعة عقود خلف القضبان، عاد الناشط اللبناني جورج إبراهيم عبد الله إلى بيروت الجمعة، بعد أن أدين في ثمانينيات القرن الماضي بتهمة التواطؤ في اغتيال دبلوماسيين أميركي وإسرائيلي. وكانت النيابة العامة في باريس، قد أعلنت التقدّم بطعن في قرار محكمة الاستئناف أمام محكمة التمييز، لكن هذا الطعن الذي يستغرق البت فيه أسابيع عدة، لم يعلق تنفيذ الحكم، ولم يمنع بالتالي عبد الله من العودة إلى لبنان.

وصل جورج إبراهيم عبد الله إلى بيروت الجمعة، بعد الإفراج عنه من السجون الفرنسية حيث أمضى 40 عاما، على خلفية إدانته بالتواطؤ في اغتيال دبلوماسيين أميركي وإسرائيلي في عام 1982.

عبد الله، البالغ من العمر 74 عاما، غادر سجن لانميزان الواقع في جنوب غرب فرنسا فجرا، برفقة موكب أمني ضم ست مركبات، بعد صدور قرار من محكمة الاستئناف في باريس الأسبوع الماضي يقضي بالإفراج عنه بشرط مغادرته الأراضي الفرنسية وعدم العودة إليها.

وقد وصل عبد الله إلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت على متن طائرة تابعة لشركة “إير فرانس” عند الساعة الثانية والنصف ظهرا بالتوقيت المحلي، بعد إقلاعها صباحا من مطار رواسي في الضاحية الباريسية.

ولدى وصوله، شهد محيط قاعة الوصول تجمعات لمناصرين له، رفع بعضهم الأعلام الفلسطينية ورايات الحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي، قبل أن يتدخل الجيش اللبناني ويفض التجمع التزاما بمنع المظاهر الحزبية داخل المطار.

“استقبال في صالون الشرف”
و استُقبل عبد الله داخل قاعة الشرف من قبل عدد محدود من أفراد عائلته وأعضاء الحملة الداعمة له، فيما مُنع الصحافيون من الدخول إلى القاعة واكتفوا بالتغطية من نقطة محددة خارجها. ولم تُسجّل أي تصريحات رسمية من السلطات اللبنانية بشأن الإفراج أو العودة.

وقالت سهام أنطون، وهي مدرسة لبنانية تبلغ من العمر 56 عاما، إنها حضرت منذ الصباح الباكر لاستقبال عبد الله، واعتبرته “رمزا وملهما”، مشيرة إلى أن “رغم كل ما تعرض له من ظلم وأسر، فإنه يشكّل مصدر إلهام للبنانيين والفلسطينيين والعرب”.

أما الناشط عبد طباع البالغ من العمر 75 عاما فاستعاد مشاهد من سنوات النضال المشترك مع عبد الله، معلقا بفخر: “لقد أثبت جورج عبد الله للعالم وللفرنسيين أنه لا يركع”.

مؤهل للإفراج منذ 25 عاما…
هذا، وحُكم على عبد الله البالغ حاليا 74 عاما، سنة 1987 بالسجن مدى الحياة بتهمة الضلوع في اغتيال دبلوماسي أمريكي وآخر إسرائيلي عام 1982. وبات مؤهلا للإفراج المشروط منذ 25 عاما، لكن 12 طلبا لإطلاق سراحه رُفضت كلها.

والتقت وكالة الأنباء الفرنسية عبد الله عصر الخميس بعد صدور القرار، رفقة النائبة عن اليسار الراديكالي أندريه تورينا في زنزانته المغطى أحد جدرانها بصورة لتشي غيفارا على خلفية حمراء وحيث علّق خارطة للعالم وملصقات فلسطينية.

وخلال اللقاء، قال عبد الله وقد غزا الشيب لحيته الكثة إن “أربعة عقود هي فترة طويلة لكن لا تشعر بها متى كانت هناك دينامية للنضال”.

ومن جانبهم، اعتبر قضاة محكمة الاستئناف أن مدة احتجازه “غير متناسبة” مع الجرائم المرتكبة ومع سنّ القائد السابق لـ”الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية”.

“رمز من الماضي” لا يشكل أي خطر
وجاء في الحكم أن عبد الله بات “رمزا من الماضي للنضال الفلسطيني”، مشيرا إلى أن المجموعة الصغيرة التي كان يتزعمها عبد الله وتضم مسيحيين لبنانيين علمانيين وماركسيين وناشطين مؤيدين للفلسطينيين، باتت منحلّة “ولم ترتكب أي أعمال عنف منذ 1984”.

كما أسف القضاة لعدم إبداء عبد الله أي “ندم أو تعاطف مع الضحيتين اللتين يعتبرهما عدوين”، لكنهم اعتبروا أن الناشط الذي يريد تمضية “آخر أيامه” في قريته في شمال لبنان حيث قد ينخرط في السياسة المحلية، لم يعد يشكّل أي خطر على النظام العام.

نضال ماركسي مناهض للإمبريالية
وأصيب عبد الله أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في العام 1978، وانضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الحركة اليسارية التي كان يتزعمها جورج حبش.

وأسس بعدها، مع أفراد من عائلته الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية، وهي تنظيم ماركسي مناهض للامبريالية تبنى خمسة هجمات في أوروبا بين العامين 1981 و1982 في إطار نشاطه المؤيد للقضية الفلسطينية. وأوقعت أربعة من هذه الهجمات قتلى في فرنسا.

ولفترة طويلة، اعتُبر عبد الله مسؤولا عن موجة اعتداءات شهدتها باريس بين العامين 1985 و1986 وأوقعت 13 قتيلا ناشرة الخوف في العاصمة الفرنسية.

وقد حُكم عليه في العام 1986 في ليون بالسجن أربع سنوات بتهمة التآمر الإجرامي وحيازة أسلحة ومتفجرات، وحوكم في العام التالي أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس بتهمة التواطؤ في اغتيال الدبلوماسيين الأمريكي تشارلز راي والإسرائيلي ياكوف بارسيمينتوف عام 1982، ومحاولة اغتيال ثالث عام 1984.

إلى ذلك، وبعد شهرين من الحكم على عبد الله بالسجن مدى الحياة، تم التعرف على المسؤولين الحقيقيين عن هذه الاعتداءات وهم على ارتباط بإيران.

أعمال “المقاومة ضد “القمع الإسرائيلي والأمريكي”
ولم يُقرّ عبد الله بضلوعه في عمليتي الاغتيال اللتين صنفهما في خانة أعمال “المقاومة” ضد “القمع الإسرائيلي والأمريكي” في سياق الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) والغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان في العام 1978.

وباستثناء عدد ضئيل من المؤيدين الذين واصلوا التظاهر كل سنة أمام سجن عبد الله وبضعة برلمانيين يساريين، بات المعتقل منسيا على مر السنين بعدما كان في الثمانينيات العدو الأول لفرنسا وأحد أشهر سجنائها.

هذا، وكانت النيابة العامة في باريس قد أعلنت التقدّم بطعن في قرار محكمة الاستئناف أمام محكمة التمييز، لكن هذا الطعن الذي يستغرق بتّه أسابيع عدة، لن يعلق تنفيذ الحكم ولن يمنع بالتالي عبد الله من العودة إلى لبنان.