علوم و تكنولوجيا

علماء روس يطورون ذكاء اصطناعيا يقرأ المشاعر من صوتك ووجهك

وجه فتاة لدديها الكثير من النمش على بشرتها  - سبوتنيك عربي, 1920, 04.09.2026

طوّر علماء من المدرسة العليا للاقتصاد “HSE” في موسكو، بالتعاون مع متخصصين من مركز سانت بطرسبرغ الفيدرالي للأبحاث التابع للأكاديمية الروسية للعلوم ومركز “Sber” للذكاء الاصطناعي التطبيقي، شبكة عصبية مصممة لتحليل جوانب متعددة من السلوك البشري في وقت واحد.

يستطيع النظام المطورالتعرّف على الحالات العاطفية، وتقييم سمات الشخصية المُدركة، وتحديد التردد – وهي المواقف التي قد تُشير فيها إشارات سلوك الشخص إلى عدم اليقين أو ردود فعل متضاربة.

يتجاوز التواصل البشري مجرد الكلمات، فالتردد في الصوت، أو تغير تعابير الوجه، أو اتجاه النظر، أو حتى وضعية الجسم، كلها عوامل تُضفي معنىً على الكلام. ويعمل الباحثون حاليًا على تدريب الذكاء الاصطناعي على تحليل هذه الإشارات مجتمعةً بدلًا من معالجتها بشكل منفصل.

الذكاء الاصطناعي الذي يتجاوز مجرد مراقبة الوجه

تركز العديد من أنظمة التعرف على المشاعر بشكل أساسي على تعابير الوجه أو الصوت، أما النموذج الجديد فيتبنى نهجًا أوسع.

يتلقى هذا النموذج المعلومات عبر قنوات متعددة، أو وسائط، في آن واحد. تشمل هذه القنوات الفيديو، وصوت الشخص، ومضمون كلامه، والأوصاف المُولّدة لتعابير الوجه، والنظرات، والوضعيات، والإيماءات، حيث يحاول النظام فهم السلوك البشري بطريقة أقرب إلى كيفية تواصل الناس في الحياة الواقعية.

تخيل شخصًا يقول: “نعم، أنا مرتاح تمامًا لذلك”، وهو يتردد، ويتجنب التواصل البصري، ويتحدث بنبرة غير واضحة، الكلمات وحدها لا تُقدم سوى جزء من المعلومات. يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط فحص العديد من هذه الإشارات السلوكية معًا.

هذا لا يعني أن الشبكة العصبية قادرة على قراءة أفكار الشخص، فهي تحلل الأنماط الملحوظة وتُنتج تقديرات بناءً على ما تعلمته من بيانات التدريب.

هذا التمييز بالغ الأهمية لتقييم الشخصية،ويصف الباحثون النظام بأنه يُقيّم سمات الشخصية المُدرَكة، أي كيف قد يبدو سلوك الشخص من خلال الإشارات المتاحة، بدلاً من تحديد شخصيته الداخلية الحقيقية.

لماذا يُعد دمج الإشارات المختلفة أمرا صعبا؟

شكّل بناء مثل هذا النظام تحديًا تقنيًا غير مألوف، حيث لميمتلك الباحثون مجموعة بيانات واحدة ضخمة مُصنّفة فيها جميع الأشخاص وفقًا لمشاعرهم وخصائص شخصياتهم وتناقضاتهم. بدلاً من ذلك، عملوا مع مجموعات بيانات مختلفة، أو ما يُعرف بالمدونات، أُنشئت لمهام مختلفة.

احتوت كل مجموعة على نوع تصنيف خاص بها، ولم تكن الصعوبة أكبر من ذلك: فليست كل مصادر المعلومات متساوية القيمة لكل مهمة.

ووفقًا لقائدة المشروع، إيلينا ريومينا، يُعدّ الفيديو مفيدًا بشكل خاص عند تقدير سمات الشخصية المُدرَكة، بينما يصبح المحتوى الفعلي للكلام أكثر أهمية عندما يحاول النظام تحديد التناقضات. لذلك، صمّم الباحثون الشبكة العصبية بمكونات مشتركة ومتخصصة.

تساعد الأجزاء المشتركة النظام على تعلّم العلاقات بين أشكال المعلومات المختلفة، وتركز المكونات المتخصصة بعد ذلك على الإشارات الأكثر فائدة لمهمة محددة.

يُتيح هذا إمكانية توظيف المعرفة المُكتسبة من مجموعة بيانات واحدة في مهمة أخرى، بدلاً من إجبار الذكاء الاصطناعي على تعلم كل مشكلة على حدة.

التعلم من عدة مهام في آن واحد

تم تدريب النموذج باستخدام حاسوب عملاق تابع لجامعة “HSE”. جمع الباحثون عدة مجموعات بيانات مُصنفة بشكل مختلف أثناء تدريب النظام على أداء مهام تحليل السلوك الثلاث.

لم يكن الهدف الأساسي هو مجرد الأداء الجيد على الأمثلة التي سبق للشبكة العصبية التعامل معها، بل أراد الباحثون أن ينقل النموذج ما تعلمه إلى بيانات لم يسبق له رؤيتها.

وفقًا لفريق البحث في الجامعة، فإن دمج المعلومات من مجموعات بيانات مختلفة حسّن قدرة النظام على التعرف على المشاعر عند التعامل مع بيانات غير مألوفة.

تُعد هذه القدرة على التعميم بالغة الأهمية لأنظمة الذكاء الاصطناعي العملية، إذ تتنوع الأصوات البشرية وتعبيرات الوجه وأساليب الكلام والإيماءات بشكل كبير، إن أي نظام يعمل فقط مع أشخاص أو مواقف مشابهة لبيانات تدريبه ستكون فائدته محدودة في الواقع.

أين يمكن أن تكون هذه التقنية مفيدة؟

يرى الباحثون تطبيقات محتملة في التعليم الرقمي، والواجهات الذكية، وتقنيات دعم المستخدم.

في النظام التعليمي، على سبيل المثال، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي المستقبلية أن تأخذ في الحسبان الإشارات السلوكية التي تشير إلى ارتباك المتعلم أو تردده أو عدم تفاعله العاطفي، بدلاً من الاعتماد فقط على صحة الإجابة أو خطئها. وبالمثل، يمكن للواجهة الذكية أن تُكيّف طريقة تفاعلها مع المستخدم وفقًا للمعلومات السلوكية المتاحة لها.

يتجه فريق البحث حاليًا نحو بنية أكثر مرونة. وتتمثل خطوتهم التالية في تطوير “خبراء” متخصصين في الشبكات العصبية، قادرين على إعطاء أهمية مختلفة للصوت، ومحتوى الكلام، وتعبيرات الوجه، والإيماءات، وغيرها من الإشارات، تبعًا للمشكلة المطروحة للحل.

بالتوازي، يعمل العلماء على تطوير صور رمزية رقمية شخصية قادرة على تكييف تعابير وجهها وكلامها وسلوكها مع الحالة العاطفية للمستخدم. فبدلاً من أن تستجيب الآلات فقط للكلمات التي نكتبها أو ننطقها، قد تصبح الواجهات المستقبلية أكثر حساسية لكيفية تواصلنا.

يكمن التحدي في ضمان تفسير هذه الأنظمة لتلك الإشارات بدقة وكفاءة.،فالعواطف والسلوك البشري معقدان، وستعتمد قيمة هذه التقنية في نهاية المطاف ليس فقط على كمية المعلومات التي يمكن للذكاء الاصطناعي رصدها، بل على مدى قدرته على فهمها وتحليلها بشكل موثوق.

اترك تعليقاً