
بقلم: عبد الكريم محمد
قبل الدخول في التفاصيل لا بد من التفريق بين الانتماء للعروبة، وبين الحركات السياسية العربية التي من حقها أيضاً أن تدعي لنفسها الانتماء لأمتها.. فالقومي والشيوعي والاسلامي والوطني والشعبوي هو ابن أمته.. تماماً كما كان بسمارك موحد ألمانيا، ابن أمته الألمانية.. أي أن دمغ حركة سياسية بالعمالة لا يعني النفي لمشروعية الأمة بانتسابها لنفسها أصلاً أو نسباً أو تاريخاً وحضارة..
وهنا يبرز السؤال الأهم، لماذا تتهم الحركة القومية العربية على الدوام بالعمالة؟
بعضهم انطلق في اتهامه بأنها حركات علمانية مستوردة من الغرب الاستعماري، ليجد أن هذه الحركات مارقة تتجاهل في أهدافها التراث والقيم الإسلامية، وتقوم على أنقاض مفهوم الخلافة والحاكمية.. بينما ذهب بعضهم الآخر للنظر إلى الانكسارات والملمات وما جرته بوجودها من ويلات، تمثل في ضرب المجتمعات وتدمير الديموقراطيات الحديثة، لخدمة التحالف الجديد بين بوط المارينز والجيش الأحمر، ليحل العسكر محل الحكومات المدنية الديموقراطية.. لتحل الديكتاتورية باسم ثورات مدعومة من الخارج، سعياً لتدمير الداخل..
بل أن هذه الحركات الانقلابية، سرعان ما تمخّضت عنها اتجاهات قطرية محدودة الأثر ليتحوّل الحزب القومي بقدرة قادر إلى حزب قطري ذو إمتدادات قومية وهمية وهامشية.. وتحولت السلطة بيد هؤلاء لتصبح وسيلة نهب ودكتاتورية بل وأقلوية ذات أبعاد طائفية حاقدة، مناهضة للشعب بدلاً من أن تكون منطلقاً لتحقيق المشروع القومي التحرري الذي تنادي به.
هذا التحوّل هو الذي يشكِّل تجربة حزب البعث العربي الإشتراكي.. وهو التحوّل الذي كسر مسار الحركة الجماهيرية العربية التي كانت مندفعة لتحقيق الوحدة القومية و الإستقلال والتقدُّم.. وعمّق من وضع الدولة القطرية، وحاول تأسيس كيانيّتها.. وأفضى إلى تفتيت الحركة السياسية و تهميشها، مما أوجد فراغاً سياسياً بات واضحاً للعيان.
بل أن الصراعات ذات الأهداف الجهوية والطائفية والعشائرية وحتى العرقية والمناطقية، أوصلت الفئات المنتصرة والمدعومة من الخارج، تشكيلها سلطات شمولية مستبدّة.. مستندة في ذلك كله للتكوين البطركي الذي كان يسود الريف، و الذي كان نتاج ” الإرث التاريخي ” الطويل، و القائم على سلطة مطلقة لها طابع أبوي، لتحول ” الزعيم ” إلى أسطورة، و أحياناً إلى نصف إله.
كان هذا التكوين هو أساس صياغة السلطة الجديدة، التي بدت مستبدّة إلى أبعد الحدود، و مطلقة المركزية، حيث كانت سلطة فردية متمثلة بما يسمى الرئيس، عبر أجهزة أمنية متعدّدة، في غياب كامل لمفهوم الحق والقانون والعدالة الاجتماعية، وحيث أجهزة الدولة هي المنفّذ للإرادة المطلقة.
هذه الصيغة جاءت لتماهي التجربة التاريخية لدولة الخلافة، بأبشع صورها..و التي تكثّفت في الوعي الريفي و في التكوين الإجتماعي الريفي، و عادت للبزوغ في المستوى السياسي مع سيطرة الفئات الريفية على السلطة. وهنا يكون فكر حزب البعث قد نُحّي جانباً، و أقصد ذلك الفكر المستمدّ من التراث الديمقراطي الأوروبي، و الذي كان يؤكّد على ” حرية الفرد “، وعلى حرية الكلام والإجتماع والإعتقاد، التي كان يعتبرها مقدّسة كما صاغها الحزب في دستوره المقرّ سنة 1947.
وأيضاً على سيادة الشعب وأنه مصدر كل سلطة.. وعلى النظام النيابي الدستوري واللامركزية وحق المواطنة وإستقلال القضاء.. و بالتالي أعاد إنتاج سلطة الخلافة في شكل مشوه وهو ما تبقّى من دستور ذاك الحزب. لنلمس كيف أن كل الآليات الحديثة، من برلمان وإنتخابات وأحزاب، باتت تخضع لسلطة مطلقة متمركزة بيد الرئيس، الذي يتعامل إنطلاقاً من أنه ” المخلّص ” و” الملهم ” و” الفذّ “.
وليكون العنف المتمثّل في سلطة الأجهزة الأمنية هو العلاقة الوحيدة بين السلطة والشعب، وبالتالي السياسة والحركة السياسية، ومع كل تململات المجتمع وميوله الإحتجاجية.. حيث يعتبر ذلك تمرّداً على ” الإرادة الإلهية “، وعصياناً عليها..
فقد كانت السلطة البطركية مدخلاً لتحقيق مصالح الفئات ذاتها، عبر نهب التراكم الرأسمالي، الذي بات في حوزة الدولة. وأصبح النشاط الإستثماري للدولة هو ذاته النشاط الذي يسمح بإقتطاع الجزء الأكبر منه، لمصلحة تلك الفئات الحاكمة.
كما أصبح ضبط الدولة للعلاقات الإقتصادية ( الإستثمارية و التجارية ) هو الأساس الذي بات يسمح بالمشاركة أو بالحصول على السمسرة، بغض النظر عن إنعكاس ذلك على مجمل الإقتصاد الوطني. من هنا بات يعيش ” القطاع العام ” أزمة عدم الربحية ( التي لعب سوء التخطيط و فرض الكادرات غير الكفوءة قيادة له، دوراً مهماً كذلك في الوصول إلى هذه النتيجة )، و بدأ يتعثّر.
بموازاة ذلك كله، كانت فئةٌ متربصة مسعورة عميلة ومحمية من الخارج في السلطة تراكم الرأسمال ( و ربما كان الأدقّ القول أنها كانت تراكم المال لأنها كانت تهرّبه إلى البنوك الأجنبية )، و ربما تتقصّد إفشال شركات القطاع العام، من أجل أن تفرض ذاتها كقوّة مهيمنة إقتصاديا، لتندفع إلى ربط اقتصاديات الأوطان، مع اقتصادات الدول الكبرى، التي أمنت لها الغطاء والشرعية في سلوكها الجهنمي.
اختصاراً بالقول، كان الوصول إلى السلطة أساس عملية تحوّل، قلبت الإهتمام من الأهداف العامة و السعي لتحقيق التطوّر العام للوطن العربي، إلى الميل لتحقيق المطامح الخاصة، التي كان تحقيقها يقوم على الضد من الأهداف العامة و يشكّل معيقاً لتحقيقها.
وربما لم يكن هذا التحوّل واعياً، أي ربما لم تكن الفئات الواسعة التي ساهمت في السلطة، تعي أن تحوّلاً يمكن أن يحدث نتيجة ميلها لتحقيق مصالحها في سياق تحقيق المصلحة العامة كما كانت تعتقد، لكن التجربة فرضت إنتصار المصلحة الخاصة لتبدو الأهداف القومية كغطاء لذلك.
من هنا برزت مسألة تخوين هؤلاء، بل لا نبالغ بالقول أن هؤلاء كانوا خنجراً مسموماً بخاصرة الأمة وما يزالون، ووجودهم كان لخدمة الخارج على حساب الداخل، توطئة لمنع تطور الأمة في بناء مستقبل أجيالها.. وما نشهده اليوم في سورية وغيرها من البلدان العربية، لهو أكبر دليل على كل ما قيل بحقهم ولم يقال بعد.