
بقلم: عبد الكريم محمد
غالباً ما نعيش حالة من الانبهار، عندما نستمع إلى الحكايات الشعبية التي تنتشر كالنار بالهشيم، بل تتدحرج لتصبح جبالاً، حينما تحملها المغالاة على راحتيها، لتعطيها القدسية الخارقة أو ما يزيد.. بل قد تصبح بحد ذاتها معياراً للسلوك والقيم والأفكار، ومحدداً لمستوى الوعي عند الخواص قبل العوام.
أما وقد حضرني المثل أو المقولة العربية ذائعة الصيت والشهرة، “تسمع بالمعيدي خير من أن تراه”.. هذا المثل العربي القديم، قيل عن أحد كرماء العرب؛ وهو المعيدي الذي اشتهر بسخاءه وحكمته وكرمه على الجميع، حتى وصلت أخباره إلى الخليفة فأراد الخليفة أن يقابله، ليرى من حكمته وكرمه.. وإذا تأكد له ما سمع عن هذا الرجل جعله من حاشيته ورجاله.
وبالفعل أرسل في طلب المعيدي ودعاه لمجلسه وما أن دخل عليه المعيدي، حتى تفاجأ الخليفة من شكله فهو بسيط الثياب على الرغم من غناه كما انه دميم الوجه.
فضحك الخليفة منه وقال: “تسمع عن المعيدي خير من أن تراه” يعني أن سيرته بين الناس أفضل بكثير من شكله وهيئته، فحزن المعيدي لكلام الخليفة ولكنه رد بحكمة وفصاحة بالغة عليه فقال له: “يا مولاي، إن الرجال ليسوا بقراً ولا غنماً كي تنظر إلى وجوههم وأجسامهم، إنما يعيش المرء بأصغريه قلبه ولسانه” فأعجب الخليفة لفصاحته وعينه في حاشيته كمستشار خاص له.
أما نحن فقد عشنا مع حضرة الباشا خلافاً للمعيدي مطلقاً، نسمع عن بطولات الباشا وكرمه وقوة شكيمته، ليحالفنا الحظ يوماً بالجلوس معه، لنفاجئ بالباشا الذي سرق العقول والنفوس قبل العيون، بأن الباشا “زلمة”، ليس ككل الزلم أو كل الرجال، واحد أخرق معتوه غبي، لا يقوى على اكمال مقولة، أو إيراد حكمة قد يستفيد منها البشر.. بل يجنح نحو العدوانية والنرجسية، التي قد تصل لحدود قلة الأدب وانعدام الأخلاق..
هذا الباشا يا سادة يا كرام: هو الحاكم العربي، بكل ما يحمل من مواصفات قبيحة ودنيئة ووقحة، وبكل ما يحمل من ضحالة بالوعي ودياثة عند ضاربي الزمور القاديمين من الخارج، لأن “زمار الحي لا يطرب”، حسب اعتقاد هذا الباشا وحاشيته، الفاقدة للقيم والأخلاق..
بل هم كما قالت المرأة المظلومة التي اعتدي على عرضها، فنادت الرجال من أهلها دونما مجيب أو سيف قد ينتصر لمظلمتها، فقالت قولتها الشهيرة:” عدي رجالك عدي من الأقرع للمصدي”..
أما نحن فقد غاب الصوت وبحت الحناجر من كثرة مناداتنا “هل من مجيب”؟
وكأن الأصوات لم يكن لها حتى رجع الصدى.. لتذهب إلى ذاك البعيد.. الذي سماه بعضهم بالجحيم.