آراء

سورية عائلة موحدة.. مزقتها يد النظام الطائفي

بقلم: د.أحمد خليل الحمادي
تدمر كان فيها عائلة مسيحية واحدة هي عائلة جرجس موريس أبو ماريا، مكونة من الوالدين في الخمسينات من عمرهم و وولدين بنت و ولد، جرجس كان لديه معمل صغير للبوظة ، و كان هو راعي الكنيسة الصغيرة الوحيدة في تدمر.

و لكن لماذا نتطرق بالحديث عن هذه العائلة ؟
نتناولها بحديثنا لأنها عبارة عن نموذج العائلة الوطنية المخلصة والمحبة لمجتمعها ولشعبها، فهم جزء لا يتجزأ من نسيجهم الإجتماعي العام؛ ولا يمكن تمييزهم عن غيرهم إلا وفق ما طفى على سطح مجتمعنا من سلبيات، نتيجة الحرب الظالمة التي فرضها النظام الطائفي القاتل المجرم على الشعب السوري..
الذي سعى بكل ما يمتلك من شرور، إلى شرذمة وتمزيق المجتمع الواح، وفقا لإنتماءات وولاءات ضربت الهوية الوطنية السورية، من خلال العزف على أوتار دموية مقيتة في لحن اندثار الكيان السوري الجامع.. فطرحت أجهزته الأمنية منذ الأيام الأولى لثورة الحرية والكرامة شعارات مدسوسة نسبتها للثوار من مثل : ( المسيحي عبيروت و العلوي عالتابوت ).

وفي الأيام الأولى للثورة، وقف ذاك الخطيب الفصيح العاطفي صاحب التوجه الديني المتطرف ليخطب في الجموع الثائرة، الساعية لحريتها و كرامتها في ساحة السرايا بدرعا.. محرضا على أهلنا وجيراننا والشطر الثاني من جسدنا الجغرافي الوطني، ليبث بذور الفتنة بين السهل و الجبل الحورانيين مستغلا التغاير الديني، كون أهلنا في الجبل غالبيتهم من الدروز.

و لقد أفصح النظام الطائفي القاتل المجرم عن توجهه ببث بذور الفتنة و الفرقة بين أبناء الجسد الوطني السوري الواحد، ليطرح شعاره المقيت الملغوم و المفجر للبنية الأساسية للشعب السوري ليقول: ( بأنه حامي للأقليات )، و بما أن رأس النظام الطائفي القاتل المجرم و أفراد عصابته التي حولت الدولة السورية لمزرعة صغيرة بحجم سلب و نهب مقدرات الشعب و تحقيق مصالح تلك العصابة الضيقة، لذا لجأت لحمى الطائفة العلوية لتجييشها و اتخاذها درع حماية و حصن لها واستخدام أبنائها كوقود لحربها لتجنب ما يعصف بوجودها و استمراريتها كونها فئة حاكمة مستبدة دموية قاتلة مجرمة.

نعم طرح شعار حامي الأقليات و كان رديف هذا الشعار : ( الأسد او لا أحد ، الأسد أو نحرق البلد) و كلاهما و غيرهما من الشعارات الكثيرة، التي هدف من طرحها لتكون مقدمة أو ذريعة، ليظلل حربه المفتوحة على الشعب السوري.. لتقضي على الأخضر و اليابس السوري.

وهذا ما كان حتى الآن، حيث دمر ما نسبته ٧٥% من سورية و هجر ونزح نصف الشعب السوري، وقتل أكثر من مليون ونصف شهيد و مئات الآلاف في المعتقلات و…. و لينعكس ذلك شرخا مجتمعاً عاماً عامودياً و أفقياً، ليطال حتى القلوب و قصص حبها الموجعة، و ليكون خط النار الحارق ما بين قلوب منجذبة لبعضها.
فكيف إذا ماكان أبناء الشعب على شطري حاجز الدم و الموت و النار و دوامته ؟!!!

فالخلاص لا يكون إلا بالخلاص ممن سبب العلة و الداء و سبب هذه الكارثة الدموية التدميرية .

لن أتحدث عن قلبي و عن كل القلوب، التي عانت ما عانت و تحطمت من جراء الحرب المجنونة بكل صنوف الأسلحة المستخدمة، ضد الشعب السوري.. و لكني سأعود إلى عائلة جرجس موريس التدمرية، وإلى إبي ماريا فماذا عمل حتى نتخذه نموذجا وطنيا مميزا :

لقد قدم وفق ما يعرفه عنه أهل تدمر جميعا و يشهد له بذلك كبيرهم ومن خالطه وعاشره بأنه وعائلته فعلوا ما لم يفعله غيره، و لم يكن الدين السمح حاجزا بين أبناء المجتمع التدمري الضيق، كان المناخ المجتمعي العام مبني على الأخوة بكل ما تعنيه الكلمة وتشعر الفرد والاسرة و الجماعة بأنها جزء أساسي وأصيل في البنية العامة لمجتمعه. لذا قدمت هذه العائلة الكثير الكثير لغيرهم من أبناء مجتمعهم..

وكانت أيديهم مبسوطة بكل خير يستطيعون القيام به لبلسمة رضوض و بؤس الضعفاء و المساكين، لذا قامت هذه العائلة بمنطلق أخوي اخلاقي على : كفالة الأيتام و العجزة و إصلاح البيوت المتهالكة لفقراء مدينتهم و تقديم وجبات الطعام للفقراء والمساكين بشكل يومي، و تقديم المازوت والحرامات و البطانيات في الشتاء، وغيرها مما جادت به أنفسهم.

و الأهم من كل ذلك لم تكن العائلة تشعر بأنها مختلفة عن غيرها من العائلات التدمرية، و كانت تتعامل مع الجو العام المجتمعي وتتفاعل معه بكل نفس جوادة سمحه، فشهر رمضان لجيرانهم محترم ومقدس و له طقسه الخاص، الذي جعلهم يحترمونه و يلتزمون بآدابه العام، و في الأعياد الدينية كانوا يعيشون طقوسها و يتفاعلون معها، كأي شخص في مجتمعهم فالعيد عيدهم و يزورون كل الناس يعيدونهم و يباركون مهنئين بالعيد السعيد، و في الأفراح و الأتراح لا تميزهم عن غيرهم، لا يفوتهم عزاء و لا تخفيف مصاب و لا زيارة مريض.

نعم هكذا كانت مواصفات عائلة جرجس موريس قبل الثورة و أثنائها، التي أحبت الناس و أحبوهم مما دفعنا للكتابة عنهم، و بقيت كذلك إلى أن دخلت داعش تدمر و سيطرت عليها، فنزح غالبية سكان تدمر فارين بأرواحهم من التنظيم الإرهابي، ليعيش أهل تدمر مرارة النزوح و اللجوء بما فيهم عائلة موريس، حيث تقطعت الناس و تشتت و انتشروا في سورية و أصقاع الأرض .

ما نريد قوله هنا الهوية الوطنية السورية الجامعة هي منقذنا و فيها خلاصنا، بعد الخلاص من النظام الطائفي القاتل المجرم وعصاباته المجرمة.. والشروع بإقامة دولة الوطن و المواطن والقانون و تحقيق حرية و كرامة الإنسان السوري، من خلال الهوية الوطنية السورية الجامعة.