
يعتزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم 2 أبريل، الإعلان عن أكبر رسوم جمركية على الإطلاق على الواردات، ردا على القيود الحالية التي يفرضها شركاء واشنطن التجاريون.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الثاني من أبريل سيكون “يوم التحرير” للولايات المتحدة. وبحسب خطط مسربة من الإدارة، ستفرض الولايات المتحدة رسوما جمركية بنسبة 20% على السلع المستوردة و25% على السيارات.
الهدف هو إعادة المنشآت الصناعية إلى الأراضي الأمريكية. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الولايات المتحدة ستوفر للشركات الأمريكية أدنى مستوى من الضرائب وتكاليف الطاقة واللوائح المواتية إذا صنعت منتجاتها في الولايات المتحدة واستأجرت عمالا أمريكيين.
إن هذا الهدف ليس مستحيلا من الناحية النظرية، إلا أن القضية تتعلق فقط بالثمن واستعداد الأمريكيين والعالم لدفعه، ولدي شكوك كبيرة بشأن هذا الأخير.
أولا، ستكون النتيجة الأولى والمباشرة انخفاض أسعار أسهم العديد من الشركات في بورصات الأوراق المالية في بلدان ثالثة، وهو ما قد يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل من الانهيار في جميع بورصات الأوراق المالية في العالم.
وتشهد الصين حاليا أزمة فائض الإنتاج والانكماش، والتي ستصبح أكثر حدة وخطورة مع فرض الرسوم الجمركية الأمريكية. فالاقتصاد الصيني لا يستطيع ضمان استقراره ونموه إلا بفضل إجراءات التحفيز الضخمة التي اتخذتها الحكومة الصينية، ولكن مدى مرونته غير معروف.
أما أوروبا فتترجح على حافة الركود، مع تراجع الإنتاج في الاقتصاد الرئيسي للاتحاد الأوروبي: ألمانيا. ومن الطبيعي أن تؤدي الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب إلى تعزيز هذا الانخفاض.
إذا ردت أوروبا والدول الأخرى المتضررة بالرسوم الجمركية على الولايات المتحدة بإجراءات متماثلة، فقد تقع الولايات المتحدة أيضا في حالة ركود وسوف تنخفض سوق الأسهم بشكل أكبر.
ثانيا، وهذه هي النتيجة الرئيسية، تعاني الولايات المتحدة من عجز في التجارة الخارجية، ما يعني أن السلع المستوردة لا يمكن استبدالها بسرعة بالإنتاج المحلي، وفي غضون بضعة أسابيع أو أشهر، سيؤدي العجز وارتفاع أسعار السلع المستوردة حتما إلى زيادة عامة في التضخم بالولايات المتحدة.
وإضافة إلى التأثير الشديد للتضخم على المستهلكين والشركات، يمكن أن يؤدي التضخم أيضا إلى أزمة مصرفية جديدة، مماثلة لتلك التي حدثت ربيع عام 2023. حينها، تجاوز التضخم أسعار الفائدة المنخفضة على الودائع المصرفية، وبدأ الناس في تحويل المدخرات من البنوك إلى السندات والبورصة.
لكن من المرجح الآن أن تهبط أسواق الأسهم، ومن المرجح أن تتدفق المدخرات إلى الذهب والسلع المعمرة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تسارع التضخم.
وإذا قرر أي شخص توسيع الإنتاج في الولايات المتحدة، سيواجه على الفور نقصا في العمالة، لا سيما العمالة الماهرة. وترحيل ترامب للمهاجرين من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم نقص العمالة، ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأجور، أي ارتفاع تكاليف العمالة في الإنتاج. ومن شأن هذا بدوره أن يساهم في ارتفاع معدل التضخم بشكل عام.
إن التضخم في منطقة الدولار على خلفية الاتجاه المعاكس لليوان وعلى الأرجح اليورو سيؤدي إلى إضعاف الدولار مقابل اليورو واليوان، ما سيزيد من الأسعار المحلية للواردات الأمريكية ويزيد من التضخم في الولايات المتحدة.
وارتفاع معدلات التضخم، فضلا عن تخفيضات الضرائب، من شأنه أن يؤدي إلى توسيع الفجوة في ميزانية الحكومة الأمريكية، التي ليس لديها ما تموله.
ولحل هذه المشكلة، من المرجح أن يزيد ترامب الضغوط على بنك الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة واستئناف التيسير الكمي. كما أن استئناف طباعة الدولارات قد يكون ضروريا لإنقاذ البورصات والبنوك.
ومن الطبيعي أن يساهم استئناف التيسير الكمي في ارتفاع معدلات التضخم وإضعاف الدولار.
باختصار، يمكن لترامب، من خلال رسومه الجمركية، أن يطلق عملية تضخم ذاتية التسارع، حيث سيدفع كل عنصر فيها نحو تفاقم الوضع في المناطق ذات الصلة، ما سيؤدي إلى اختلال في التوازن بالاقتصادين الأمريكي والعالمي.
ومن الناحية النظرية، وبطبيعة الحال، ستؤدي التعريفات الجمركية إلى زيادة الإنتاج الوطني، ولكن بالنسبة للولايات المتحدة فقد فات أوان القيام بذلك، حيث تجاوز الوضع في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة نقطة اللاعودة.
بينما ستكون العواقب كارثية بالنسبة للولايات المتحدة والعالم أجمع، الذي ظل لفترة طويلة على حافة الهاوية الاقتصادية.
وقد قال ترامب في وقت سابق إنه غير مهتم بالوضع في بورصات الأوراق المالية. وسيبدأ الأمر في إثارة اهتمامه عندما ينزل الناس إلى الشوارع، نظرا لأن أغلب مدخرات الأمريكيين تستثمر في الأسهم بشكل مباشر أو من خلال أدوات مالية مختلفة.
ويتعلق هذا الأمر في المقام الأول بالقاعدة الجماهيرية الأساسية لترامب: الأمريكيين البيض الأكبر سنا، حيث يكره الشباب والملونون ترامب حتى بدون أزمة..
ربما يسعى ترامب عمدا إلى زيادة التضخم، على أمل حل مشكلة الديون الأمريكية الضخمة من خلال خفض قيمتها من خلال التضخم. ولكن في الاقتصاد، تنطبق قوانين الفيزياء، بما في ذلك قانون حفظ الطاقة.
ودينك هو أصل لشخص آخر، رأس مال شخص آخر، ومدخرات شخص آخر. ومن المستحيل القضاء على الديون دون ضربة هائلة للشركات والمواطنين العاديين، الذين سيخسرون مدخراتهم، وهو ما سيخفض الاستهلاك، وسيؤثر على الإنتاج. لن يكون هناك نمو، وسيتراجع الاقتصاد.
باختصار، ستؤدي العملية التي أطلقها دونالد ترامب، بفرضه الرسوم الجمركية، إذا تم تنفيذها بالفعل، ستؤدي إلى انخفاض هائل في مستوى المعيشة في الولايات المتحدة والعالم، وهو ما لا يمكن إلا ان يؤدي إلى اضطرابات سياسية.
لذلك، فهناك احتمال كبير أن يقوم ترامب إما فورا أو بعد شهر أو شهرين بإلغاء أو تأجيل هذه التعريفات الجمركية، كما فعل من قبل.
وإلا، وبدون إدخال نظام دكتاتوري، لا أستطيع تخيل كيف ينوي مقاومة موجة السخط العام ومحاولات الدولة العميقة للإطاحة به خلال بضعة أشهر… وبطبيعة الحال، فنحن لا نرى أي دكتاتورية أو أي توطيد للسلطة في يد واحدة.
وإدارة ترامب غير مستعدة لعواقب أفعالها ولا تبذل أي جهد للاستعداد. بما في ذلك عدم الرغبة والقدرة على إجبار اللاعبين الخارجيين على قبول قواعد اللعبة التي وضعها ترامب.
وهكذا، فإن كل شيء قد ينتهي إما بزعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي الكامل للولايات المتحدة، أو بمحاولة ضعيفة لتخويف المعارضين الخارجيين بمساعدة حملة علاقات عامة، ستفشل أو سيتم إلغاؤها. قد يظن ترامب بسذاجة أن الدول الأخرى ستقبل بصمت نهب الرسوم الجمركية ولن ترد، لكنه سيتراجع عندما يواجه مقاومة..
أميل إلى الخيار الثاني، نظرا لأن ترامب، خلال شهرين ونصف من حكمه، مارس القول أكثر من الفعل… لكننا أيضا لا نستطيع استبعاد الكوارث، ونحن لا نعلم إلى أي مدى يدرك ترامب عواقب خطواته، وإلى أي مدى هو مستعد للذهاب…
المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف